الاستشارات » استشارات عامة

تحكمني العاطفة .. بل وتغلبني !

منير فرحان الصالح

بسم الله الرحمن الرحيم

طابت أوقاتكم بكل خير وسعادة ..
نعلم جميعا .. أن الله خلقنا نحن - النساء -
وأوجد فينا العاطفة التي قد تحكم كثيرا من تصرفاتنا ..
لكن ..
حينما تسيطر العاطفة على كل أمور حياتنا ..
فهي والله الألم .. بكل ما يحمله من معنى ..!
تحكمني العاطفة كثيرا ..
لدرجة لا يمكن تصورها ..
صحيح .. أني ولله الحمد في مجال العمل .. أحاول وأنجح نوعا ما في الابتعاد عنها وتناسيها بعض الشيء !
لكن ما يجعلني أكثر إيلاما .. حينما تدخل العاطفة بقوة في حياتي الاجتماعية والشخصية
بحيث تصبح هي المسيطرة على أفعالي وتصرفاتي ..
لدرجة قد لا آخذ حقي بها !
بل قد أظلم بها
فأنا أتعاطف مع الكل بلا استثناء
حتى لو رأيت من أمامي يؤلمني ويتقصد إيلامي ..
أجعل له ألف عذر . . بل وأرحمه !
فأتعاطف معه أكثر مما ينبغي ..
وفي النهاية .. أكتوي بنار عاطفتي !
فإما صديقة خادعة أو كلام يشاع خلفي
أو حق يؤخذ لي !
أنا فتاة اجتماعية جدا ولله الحمد ..
لكني أدفع ثمن هذا باهظا !
مثلا :
حينما أرى حولي من تشتكي مشكلة ما ..
فأنا أتعاطف معها لحد أني أكلف نفسي فوق ما أطيق .. لأساعدها !
لا أريد أن أكون أكثر صراحة ..
حتى لا أرسم عن نفسي صورة بأني ساذجة !
أريد قاعدة أسير عليها في تعاملي مع من حولي
دون أن أغيب عاطفتي ودون أن تحكمني أيضا !
فهل من حل ؟!
لكم كل الشكر ..

أهلاً بك أخيّة ..
واسأل الله العظيم أن يلين قلوبنا لذكره ..
وهنيئا لكل امرئ جعل الله له قلباً يشعر بالآخرين ويهتم لهم ، ويسعى في نفعهم بما أعطاه الله ويسّر له . .
العاطفة . . وقود ( السلوك )
إذ كيف يندفع السلوك ويكون ( حراكاً واقعيّاً ) إذا لم تكن هناك عاطفة ؟!
ولذلك : أن يكون المرء عاطفيّاً ليس عيباً ولا مذموماً أن يكون كذلك !
مشكلتنا أننا - في بعض الأحيان - نصنّف الأمور على ضوء تصنيفات الآخرين لها . . من غير أن نرجع إلى القيم والثوابت والمبادئ التي تعلّمناها ، وتعلّمنا أنها حق .
الناس قد يصفون ( الطيّب ) بأنه ( ساذج ) أو ( ضعف في الشخصيّة ) أو ( غفلة ) !
والحقيقة أن الصفات الجميلة لا يمكن أن تكون ( سذاجة ولا ضعفاً ولا غفلة ) !
إنما الأمر هو في طريقة تفاعلنا مع هذه الصفات الجميلة . . وكيفية ممارستها .. .
ولأجل أن نضبط عواطفنا ونمارسها بطريقة إيجابيّة :
1 - أن نحدّد نقطة الانطلاق !
بمعنى : لماذا نحن نتعاطف مع ( فلان ) أو ( فلانة ) وما هو الدّافع لهذا التعاطف ؟!
حينما يكون الدافع ( قيمة راقية ) و ( معنى جميل ) . . حينها حتى لو أن الطرف الآخر كان سيّئاً فإن ندمنا لن يكون ( كبيراً ) في إحساسنا لأننا نشعر أننا قمنا بشيء نريد به قيمة راقية .. ونشعر أننا حققناها في أنفسنا . .
حينما لا تتحدّد هذه النقطة . . وحين يكون تعاطفنا عشوائيّاً أو لرغبات شخصيّة فقط .. حينها سيعظم ندمنا حين نشعر أننا مستغفلون أو مستغلون من الآخرين !
2 - امنح نفسك فرصة للتفكير قبل أن تقرر . .
فحين نتعرّض لحدث عاطفي .. ( حكاية أو قصة أو موقف ) . . فقبل أن نتخذ أي قرار تجاه الطرف الآخر في التفاعل معه . . ينبغي أن نمنح أنفسنا فرصة للانسحاب قليلاً .. لنخرج من الضغط النفسي الذي تشكّل حينما عشنا الحدث أو القصة أو الموقف . .
هذا الانسحاب يمكن أن يكون إمّا :
بوعد لاحق للطرف الآخر . .
إيراد بعض الأسئلة على الطرف الآخر تتعلّق باستيضاح أكثر عن المشكلة . .
التركيز على الطرف الآخر بـ ( ماذا كان دوره في مساعدة نفسه ) !
3 - أن نعتقد أننا لسنا أوصياء على الناس !
نعم .. هو جميل أن نشعر بالحرص والاهتمام بمشاكل الآخرين . . لكن ينبغي أن نعتقد أن الله أرحم بهم منّا .. وأننا لن نكون أحرص عليهم من خالقهم . .
فلا تجرفنا العاطفة إلى مرحلة نظن فيها أننا ( مكلّفون ) بإخراج الآخرين مما هم فيه !
لقد كان صلى الله عليه وسلم يشتدّ حزنه على قومه إذ لم يسلموا حتى قال الله له : " فلعلّك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً "
فلقد كان صلى الله عليه وسلم يغتم أسفاً وحزناً حين لا يرى من قومه إلاّ الإعراض مع ما يبذله في سبيل إنقاذهم ونصحهم . .
فيعلّمه الله تعالى كيف يضبط هذا الشعور النفسي الذي يكاد أن يشغله !
يقول العلامة السعدي عند هذه الآية : فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن قدرته .. أ.هـ
إذن هي قاعدة عامة في كل أمر نتعامل به مع المخلوقين .. أن لا نظن أننا أوصياء على الآخرين . . هذا الاعتقاد وهذا الظن سيجعلنا نشعر بالإحباط حينما لا نستطيع مساعدتهم . .
أو ربما يوقعنا في حرج حين نتكلّف مساعدتهم بأمر فوق طاقتنا ..
فنكون كالشمعة ( تحترق ) لتضيء للآخرين . . ومصير الشمعة أن تنطفئ !
ومن آثار هذا لاعتقاد الخاطئ .. أننا ربما نصل في مرحلة إلى ( تبلّد الإحساس ) بالآخرين وترك العمل . .
إذن . . جميل أن نشعر بالآخرين .. والأجمل أن لا نشعر أننا أوصياء عليهم !
4 - أن نعدّد خيارات التعاطف . .
فحين يشكو أحدهم لنا حالته الماديّة - مثلاً - ويصوّر لنا حاله بصورة ( دراميّة ) عاطفيّة . .
ونحن حينها لا نملك شيئا أو لا نملك ما يكفينا . . فليس الحل فقط هو في أن ينصرف تفكيرنا في طريقة تدبير المال له !
هناك حلول أخرى . .
ندعو له بالخير ونصدق في الدعاء له . .
نرشده إلى من يستطيع مساعدته فنصله بالميسورين . .
نفتح له باباً للأمل والثقة بالله وتقوية اليقين في نفسه . .
إن تعاطفنا مع الآخرين ينبغي أن يكون أكثر إيجابيّة من أن نختصر التعاطف في أن نقوم بالدور عنهم !
هناك مثل ياباني يقول : بدل أن تعطيني كل يوم سمكة .. علّمني كيف اصطاد السمكة !
5 - أن نحاول إشراك الآخرين معنا . .
باستشارة من هم بقربنا كأخ أو أخت أو والد أو والدة أو مربٍ أو مربية . .
فنطرح عليهم مشكلة الطرف الآخر . . لأن مشاركة الآخرين يجعلنا أكثر تعقلاً في التعاطف مع أي مشكلة عند الآخرين . .
6 - أن نتعلّم من المواقف المتشابهة ..
نتعاطف مع أحدهم مرّة .. فنشعر بعد حين أننا كنّا في ( دوّامة استغفال ) . . ليس عيباً هذاالسقوط . .
العيب أن نسقط مرة أخرى في نفس المكان أو بنفس الطريقة !
إذن لابد أن نتعلّم من المواقف المتشابهة . .
يقول صلى الله عليه وسلم : " لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين "
حدّدي نقطة الانطلاق . .
شاركي الآخرين في الموقف . .
امنحي نفسك فرصة للتفكير . .
تعلّمي من المواقف المتشابهة . .
عدّدي خيارات الحل والمساعدة . .
لا تندمي .. على عمل خير فعلته يوماً من أجل الله وابتغاء رضوان الله .
وفقك الله وكفاك . .