الاستشارات » استشارات تربوية

ربيت أبنائي على نَهج قويم فلما كبروا تغيّروا

منير فرحان الصالح

السلام عليكم
أنا آم لتسعة من الأولاد وأعمارهم ومراحلهم الدراسية مختلفة من الرضيعة إلى المرحلة الثانوية
ما أعاني منه أنني كنت في الماضي اكره الضرب والسب واهتم بموضوع التربية كثيرا وكلما قرأت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت إلى الجانب التربوي واحرص على التأمل حتى في الألفاظ لما قد يكون في اللفظ من دقة قد لا أجدها في غيره
ونجحت ولله الحمد في تربيتي لهم حتى صاروا مضربا للمثل لفترة من الفترات
فمثلا هم لا يغارون من بعض
يحبون الله ورسوله و الوازع الدين أقوى من غيره عندهم
على علم بكثير من السنن وقصص السلف
ازرع فيهم العزة بدين الله فهم إلى حد ما لا يشعرون بالنقص تجاه الغرب لكن قد يحاولوا أن لا يكونوا غرباء عن مجتمعاتهم
مسألة الحجاب والحياء وعدم الاختلاط مهمة جدا لا يرضونها بحال
لا اشعر أن عندهم حقد أو حسد تجاه من هم أفضل منهم في أمور الدنيا
بم القابل عندهم حب الإيثار لغيرهم من المسلمين ولو طلب منهم الصدقة وبكل مالهم لم يترددوا مع حبهم لمتع الدنيا في الإطار المباح
ما أعانيه هو عدة قضايا
أولا- أنهم في خصام دائم ومشاجرات لا يحتمل احد أخاه مما يجعلني عاجزة في أكثر الأحيان عن حل مشاكلهم وكثيرة السب والضرب حتى أني صرت مثلهم ولا استطيع إمساك نفسي في كثير من الأوقات
ثانيا-ليس لديهم همه خاصة في فعل الخير
هم يفعلون ما اطلبه منهم من أمور الدين لكنهم لا يتسابقون ولا يطالعون أو يطلبون العلم
فعندهم حرص شديد على التسلية إذا امسكوا الكمبيوتر أو جلسوا أمام التلفاز أو ذهبوا مع أصدقائهم
أو جلسوا مع بعضهم فقط ممارسة مباحات في أصلها من تسلية لكنها كثيرة ومبالغ فيها ولا يلتفتون لغيرها
فانا باستمرار ادفع بهم نحو ما يجب عليهم من أفعال من صلاة ودراسة وأعمال منزليه ومعرفة حق الآخرين وعدم التعدي عليها
حتى أني مللت حياتي وأصبحت اشعر أني مملة وبدءوا يتضجرون من طلباتي وأحيانا قد تصرح كبراهم بكرهها لنا ولسياستنا معها مع أنها أكثرهم دلالا واحتراما
وبالمقابل صرت أنا إنسانة عصبية المزاج كثيرة التأفف وتركز التضرر على اثنين من بناتي في السنة الأولى والثانية من المدرسة فلا أطيق أن يجلسن بجانبي ولا حتى أن يلمسنني
أحاول عدم إظهار ذلك لهم اقبلهم بين الفترة والأخرى وابتسم لهن أحاول تشجيعهن على ما يقمن به لكن اكره أن تمسني أحداهن أو حتى تجلس بجانبي وآمرها بالابتعاد فورا
وحتى لا أطيق أن يلمسن إخوانهن الصغار لمسة حانية محبة بل أثور وآمرهن بالابتعاد وانا اعلم أني اسبب لهن حزنا وضيقا وقد ابكي كل ليلة ندما على ما افعل من تقصير هنا وعدم الجلوس مع ذاك وعدم تفهمي لموقف أخر وهكذا حتى أني لا استطيع النوم
من جانب الأب وجوده قليل فقط على الغداء وهو يأمرهم بالطاعة والأخلاق الفاضلة لكنه يذهب وانا التي تتحمل متابعة ونتيجة تلك الأوامر
اشعر أنهم قد حسدوا وأدعو لهم دائما وإذا جلست معهم أبين لهم ما أعانيه حتى لا يكرهوا تربيتي لهم ويعتبروني إنسانة متسلطة فليس هذا طبعي
إذا سمعت أي محاضرة عن تربية الأولاد اسمع حتى اعرف من المخطئ أنا أم هم
أصاب بخيبة أمل عندما أراهم أشخاص عاديون مع أن أملي فيهم لم يكن كذلك ولا اخبرهم بخيبة أملي لكن اخبرهم بما أتمناه لهم وان الأمة في وضع حرج ولن يتفع الإنسان ولن ينجيه من الفتن ولن يصبر على الأذى ألا بعلم نافع وقلب صادق وعمل صالح
وإذا رأيت بادرة حسنة أشجعهم عليها
وأقول لهم أني وان منعت عنهم بعض الوسائل الحديثة من انترنت نوعا ما فذلك لأني انتظر منهم النضوج حتى يستطيعوا إمساك زمام أمر لأن الإعلام والنت سلاح ذو حدين وقد فتن فيه كبار العلماء كما يرون هم
اقصد أني اشرح وأبين واطلب منهم المصارحة
فأين المشكلة وما الخطأ هل هي مشاكل مرحلية أم ماذا وشكرا لكم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . .
وأسأل الله العظيم أن يبارك لك في ولدك ويجعلهم قرّة عين لك . .
وحقيقة أخيّة هنيئا لك حرصك على الاهتداء والاقتداء بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم - وإنشاء الله أنت على خير - ما دمت على ذلك .
ثم هنيئا لك حرصك على تربيتك لأبنائك . . وهنيئا لك بهم ستراً وحجاباً لك من النار - بإذن الله - .
أخيّة . .
في بعض أساليبنا التربوية نخطئ كثيراً حين ( نتدخّل ) في كل شيء يكون بين الأبناء . .
إذا تضاربوا أو تخاصموا أو تشاجروا تدخّلنا بينهم . .
هذا التدخّل ( المفرط ) فيه . . يؤثّر على البناء وعلى شخصياتهم . .
كيف سيتعلّم الأبناء معنى الاحترام والصلح والتسامح والصبر على بعضهم ما دمنا نحن نتدخل لنحل المشكلة بينهم ؟!
كيف ستنمو عندهم مهارات حل المشكلات والتعامل معها .. إذا كنّا نحن دائما نتدخّل بينهم . .
صدقيني أخيّة .. بعض الخصومة بين الأبناء هي مظهر صحّي . .
وبعض هذه الخصومات قد تكون خصومات عابرة . .
لذلك أقول لك .. اضبطي نفسك ولا تتدخلي كثيراً في خصوماتهم . .
حتى وإن شتموا بعض . . . أو .. أو . .
حاولي بعد انتهاء الخصومة وفي لحظات هادئة أن تذكريهم بعفّة اللسان دون التطرّق لسبب الخصومة ومن المخطئ ومن الغلطان . .
أخيّة . . .
نحن قد نبذل الكثير من مشاعرنا ووقتنا وجهدنا وأنفس ما عندنا من أجل أبنائنا . .
لكن من الخطأ أن نصنع منهم ( نسخة ) مكررة منّا !!
أو نسخة من رغباتنا وطموحنا نحن فيهم . .
دورنا كآباء ينبغي أن يكون دور الموجّه المحفّز . .
وتخيّري الأوقات المناسبة للتذكير . .
ليس شرطاً أن يكون مبرّزين في الإنفاق أو قيام الليل أو صيام النوافل . .
أو يكونوا طرازاً فريداً في الاهتمام بالقراءة ومتابعة الكتب ونحو ذلك ..
وفّري لهم ما يصنع فكرهم ..
مكتبة مناسبة . .
وسائل تواصل . .
ربّيهم على مراقبة الله . .
لا تُشعريهم انك ( الرقيبة ) عليهم . .
امنحيهم ثقتك . .
وتأكّدي أن ( الهداية ) بيد الله .
وأكثري لهم من الدعاء . .
أما عن ابنتيك . .
فأنصحك أن تجتهدي في رقيتهم ورقية نفسك بالأوراد الشرعيّة ، وان تجاهدي نفسك على أن لا تظهري لهم تضجّرك . .
أخيّة . .
لا تقولي ( تعبت ) أو ( أحبطت ) . .
أنت ( أم ) . . وقد شرّفك الله بأن جعل الجنة عند لزوم قدميك ..
هذا ( مغنم ) . .
ولكل ( غُنم ) ( غُرم ) !
والله يرعاك ؛ ؛ ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السائلة:
حضرة المربي:
والله أني أتفهم تماما أننا يجب أن لا يكونوا أولادنا نسخة عنا بالعكس أحاول قدر الإمكان تجنيبهم أي وضع كان في احد مراحل حياتي وكان له اثر سيء أحاول فهم نفسية الطفل ونفسية المراهق
واكره تماما شخصية الرقيب وربما اكتشفت وجود أخطاء معينة فيهم دون علمهم ولم اخبرهم بها وحاولت علاجها بطريقة غير مباشرة فانا اكره نظرات المذنب إمامي
أو أنا والله أتشرف بمكانتي في المجتمع ولا اعدل بها شيئا
ولا اهتم بالنتائج لكن..
ككوني اهتم بوجود بعض العبادات فهذا لأني مقتنعة تماما أنها بمثابة الزاد الذي يتقوى به الإنسان على موجهة الفتن التي غلفت أجواءنا فمهما أوصيت ومهما منعت وقننت من وسائل التقنية يبقى الله هو خير حافظا وهو ارحم الراحمين
يوسف عليه السلام ما الذي أنجاه من السوء والفحشاء ؟؟اه كان من عباد الله المخلصين لذلك فوجود نوع من عبادة السر بين العبد وربه مهما كانت قليلة هي التي سوف تحفظه وتردعه
وانا عندما أطالبهم بشيء اذكر الهدف والفوائد من فعله
واعمد أحيانا إلى الإيحاء الذاتي في أمور الثوابت من التزام بالحجاب وغيره وامتدح هذا الأمر فيهم لأغززه في نفوسهم
الذي حصل معي بالضبط هو أني فقدت الثقة بتربيتي لهم وبدأت اشك في جدواها لكثرة المعوقات والمصاعب أما أن كانت تلك الأمور مرحليه وطبيعية فهذا شيء استطيع التعايش معه
لان الوقت جزء من العلاج


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب:
أسعدك الله أيتها الطيبة . .
أختي الكريمة . .
لابد أن نعي نقطة مهمّة في التربية . . وهي التفريق بين العمل ضمن ( نظام مفتوح ) والعمل ضمن ( نظام مغلق ) . .
النظام المغلق النتائج فيه لا تختلف على أي حال ما دام أن المقدمة واحدة.
لكن العمل ضمن ( نظام مفتوح ) فالنتائج فيه متفاوتة . .
لتقريب المعنى . .
العطر . . هو عبارة عن مقاييس معينة لمكوّنات كحوليّة وروائح عطرية .. إذا كررنا نفس هذه المقاييس بنفس المستوى فإن النتيجة ستكون واحدة سواءً عملناه هنا أو في الصين أو إفريقيا .. ما دام أن الخام واحد والمقاييس واحدة .. فالنتيجة واحدة في كل مكان .
هذا ( النظام المغلق ) ..
النظام المفتوح .. أقرب مثال إليه ( التربية ) أو ( تربية الأبناء ) نحن نربّى أبناءنا ضمن نظام مفتوح ..
نحن كآباء لسنا الوحيدون في التربية ..
الشارع يربّى
المدرسة تربّي
الإعلام يربّي
الانترنت ..
هناك أشياء كثيرة تشترك معنا في التربية إضافة إلى ( تقلّبات النفس البشريّة )
هذا ما يمكن أن نسميه ( النظام المفتوح ) . .
فحين نبذل الأسباب والمقدّمات الصحيحة للتربية .. فإنه ينبغي أن لا يتضخم توقعنا من أبنائنا أن يكونوا ( هم هم ) !
لأنه ليس هناك ضمانة . .
سيما وان ( الهداية ) هي منحة من الله . .
شعورك أنك فقدت الثقة بتربيتك لهم . .
هذا يعطي مؤشّر أن هناك ضعف في حسن الثقة بالله .. وان أغلب اعتمادك إنما هو على الأسباب وعلى تربيتك !
حين يعتمد الإنسان على السبب شكله الله إليه !
لكن حين يكون كل الاعتماد والثقة بالله . . فإن الله جل في علاه ( كريم ) .
لذلك أقول لك . .
املئي قلبك يقيناً بالله وحسن ظن به .. وانه يختر لك ولأبنائك الخير ..
وابذلي الأسباب بروح التفاؤل والثقة . .
وكلما لاح لك ما يُشعرك بالكدر من سلوك تلاحظينه على بعض أبنائك .. فقولي ( اللهم إني أستعين بك على صلاح أبنائي )
لا تتوقعي أن التربية لها ( عمر ) أو ( مرحلة ) معينة تنتهي عندها وتقطفي ثمرتها !
بل مهمّة المربين ( سيما الأب والأم ) لا تنتهي حتى يأخذ الله أمانته . .
فالتربية ( جهد طويل ) لا ينتهي . .
تلمّسي في أبنائك الجوانب المشرقة واستمتعي بها . .
وبحرص وهدوء اجتهدي وطوّري من مهاراتك في التوجيه والنصح والإرشاد . .
وابتسمي في رضا . .
والله يرعاك ؛ ؛ ؛