الاستشارات » استشارات زوجية

حدود غيرة الزوجة على زوجها إن كان ذا شهرة واسعة

منير فرحان الصالح

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
لدي استفسار عن غيرة امرأة المشهور
إذا أنعم الله على المرأة بزوج ، جعله الله في خدمة الناس كالطبيب مثلاً أو كالمستشار أو الشيخ المفتي , فكيف يمكن للمرأة أن تضبط غيرتها من النساء التي قد يواجههن زوجها بحكم طبيعة منصبه ؟
هل من المناسب أن تسكت تماماً ؟ أم تتحدث عن بعض غيرتها
و هل يحب الرجل أن يرى ذلك من زوجته ، أم أنه يتضايق من ذلك ؟
أنا لا أتحدث عن الزوجات شديدات الغيرة
و لكن عن النساء المتوازنات ، و لكن طبيعتهن البشرية تحتم عليهن شعور الغيرة .
و متى يتضايق الزوج المشهور من غيرة زوجته ؟
و بارك الله فيكم في علمكم و عملكم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . .
وأسأل الله العظيم أن يملأ قلوبنا بمحبته وحسن عبادته وشكره ..
من عظيم فضل الله على المرء أن يوفّقه لنفع الناس ، ومساعدتهم وإغاثة الملهوف منهم سواءً كان ذلك نفعاً ماديّاُ أو كان نفعاً بعلم أو مشورة أو فكرة أو نحو ذلك .
والعبد الذي أنعم الله عليه بمثل هذا ينبغي عليه أن يبذل هذه النعمة للناس لا أن يكتنزها لنفسه ، لأن بذلها سبب من أسباب بقاء هذه النعمة وبركتها على حياته وحياة من حوله .
جاء في الأثر - الذي حسّنه الألباني رحمه الله - : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرّها فيهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها الله منهم فحوّلها إلى غيرهم " .
ونصوص الوحي متظافرة متكاثرة في بيان فضل قضاء حوائج الناس والإحسان إليهم بأي صورة من صور الإحسان ، وأعظم الإحسان إلى الناس دعوتهم وتعليمهم وتبصيرهم بأمر دينهم وما يكون فيه سعادة لهم في دنياهم وأخراهم .
ولهذا يبقى هؤلاء الناس ( صفوة ) و ( رموزاً ) في مجتمعاتهم بل حتى على مستوى أمّتهم .
وهذا الأمر يجعل على عاتق زوجات الدعاة والمصلحين مسؤوليّة عظيمة في المحافظة على بركة هذه النّعم في حياة أزواجهم والتي تنعكس بركتها على حياتهم معه .
يبقى السؤال الأهم : كيف تتعامل الزوجة مع واقع ( غيرتها كأنثى على زوجها ) إذا كان زوجها من المشاهير أو ممن يُشار لهم بالبنان ؟!
لا سيما اليوم وقد تطوّرت وسائل الاتصال حتى أن الزوجة تجلس أمام شاشة ( التلفاز ) تنظر وتستمع إلى زوجها وهو يفتي أو ينصح أو يوجّه أو يرشد .. وهذا متصل وتلك متصلة .. وهي تشاهد وتسمع ذلك كله !!
بداية :
المسؤولية مشتركة بين الزوج وزوجته في أن يتعاونا على أن يرسما حياتهما بصورة واضحة المعالم لكل طرف .
فالزوجة لابد وأن تُدرك أن شهرة زوجها لها ضريبة . .
والزوج لابد أن يعرف تماماً أنه يعيش مع أنثى فيها نوازع نفسية قد تكون أحياناً خارج نطاق السيطرة الشعورية .
الواجب على الزوج :
- أن يحرص أشد الحرص على أن يُراعي هذا الأمر في زوجته - مهما كانت متعلمة - فهي لا تزال أنثى ، فعليه أن يتجنّب كل ما يثير غيرتها : فلا يكثر دائماً من سرد أحاديث وقصص النساء اللاتي يستشرنه أو يسألنه . . أن لا يخالط النساء في محافل عامة ويظهر في ذلك أمام الشاشات . .
- كما أن على الزوج أن يجتهد ما بين فترة وأخرى في معالجة النيّة ومراجعة النفس ، وحسن الإخلاص لله عزّ وجل .
فإن كثيراً من مشاكل الغيرة بين زوجة ( المشهور ) مع زوجها يكون من ورائها ضعف إخلاص هذا الإنسان فيما يأتيه من عمل ، ويكون بسبب دخن في نيّته وهدفه !!
فيبتليه الله بمثل هذه المشاكل ليراجع نفسه ويصحّح مساره .
- أن يحرص دائماً على أن يخلص وقته في البيت لزوجته وأهله وأبنائه ، وان يشعرهم بالاهتمام بهم وسؤالهم ورعايتهم . وأن يخفّف - أو يتجنّب - الاتصالات الهاتفية وهو في البيت أو على أقل الأحوال وهو مع زوجته وأبنائه .
إن مثل هذا الاهتمام يعطي ( الأسرة ) نوعا من الدافع له على أن ينجز ، وان يكونوا له عوناً في أمره خارج البيت .
ألم نقرأ ونحفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو أشهر من يكون - إذا كان في بيته يكون في مهنة أهله .. يكون في حاجتهم . . يكون عند رغبات أهله . . إن هذا الدعم النفسي مهم جداً أن يكون في بيوت الدعاة والمخلصين .
- على هذا الزوج ( الداعية ) وعلى هذا الزوج ( المصلح ) أن يشارك زوجته في همّه واهتمامه . . وان يجعلها تعيش نفس الهمّ - أو قريبا منه - الذي يحمله .
لأن إشراكها في اهتماماته يشكّل نوعاً من الصياغة ( المتزنة ) لغيرتها وتفسيراتها لتصرفات زوجها .
بعكس ما لو كان الزوج غامضاً . . متخفّياً . . متردداً . . منطوياً باهتمامه على نفسه فإن ذلك يثير في الزوجة أموراً قد لا يحمدها عليها !!
أما زوجة ( الداعية ) وزوجة ( المصلح ) .. وزوجة الرجل المشهور ينبغي عليها :
- أن تُدرك تماماً أن لهذه الشهرة ضريبة ، وان لها تبعات ومسؤوليات ، ومع ذلك فإن لها بركات عليها . فإن كل زوجة تحب أن ترى من زوجها رجلاً له مكانة وشهرة ، فهذه الشهرة تُشبع رغبة عند الزوجة ( كأنثى ) تحب أن تتميّز على قريناتها ، ولئن كان يُقال ( كل فتاة بأبيها معجبة ) فإن ( كل زوجة بزوجها معجبة ) !
المقصود أن لا تنظر إلى هذه الشهرة من جانب واحد بل تنظر إلى شهرة زوجها بنظرة متزنة معتدلة .
- عليها أن تبني بينها وبين زوجها ثقة متبادلة ، فلا تكثر عليه من الأسئلة التحقيقية ( من المتصل .. ولماذا تكلّمها .. ولماذا تفعل .. وأين كنت .. وماذا فعلت ) !!
إن هذه الأسئلة التحقيقية - التي تسألها الزوجة بدافع الحرص على زوجها - قد تفسده أو تفسد نظرته لها ، وتبدأ بينهما خيوط الشك .
ثقي تماماً بأن زوجك يسير في خط واضح مستقيم . على أن هذه الثقة لا تمنع من التذكير ما بين فترة وأخرى بطرق غير مباشرة .
فإن بعض زوجات السلف كنّ يودعن أزواجهن عند باب البيت بنصيحة غالية ( يا فلان إنّا نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام ) !!
- أن تجتهد هذه الزوجة في أن تحتوي زوجها عاطفيّاً . وتتفنن في ذلك ، وان تشعره باهتمامه به بالكلام الدافئ والنظرة الآسرة والبسمة المشرقة ، والتواصل الذي يبني بينها وبينه الثقة .
- أيضا عليها أن تُدرك تمام الإدراك : أن زوجها بشر من البشر هو عرضة للخطأ والنقص والتقصير والذنب والإثم مهما كانت منزلته ومكانته ، سيما من يتعرّض للناس ومساعدتهم فإنه مظنة لذلك .
ولذلك عليها هنا أن تدعم عوامل القوة في زوجها ، وان لا تتخلّى عنه عند مصابه وعثرته بل هو في تلك الحال أحوج ما يكون إلى وقفتها .
المقصود : أن لا تتصوّر هذه الزوجة من زوجها أن يكون إنساناً ( ملائكيّاً ) لا يُخطئ .
هذا التصوّر وهذا الشعور يمثّل عندها ( خط التوازن ) في حالة ما لو عثر زوجها بزلّة !
- لا تستجيبي لكل التفسيرات في نفسك لمواقف زوجك . . واقطعي عنك التفكير في كل هذا .
إن لحظة من التفكير في كيفية كسب زوجك واحتوائه أهم من تلك اللحظات التي تقضيها في التفكير في تفسير تصرفاته ( وأنه يقصد كذا .. وهذا يدل على كذا ) !!
- أيضا عليها أن تجتنب التنقيب في أشيائه الخاصة ، والبحث في أجهزته - ولو عن طيب نفس أو حسن نيّة - فإن الشيطان لا يأيس من ( التحريش ) . ولربما وقع بصرك على شيء - ليس بالضرورة أن يكون محرماً - لكنه ربما يؤثّر على نفسيتك خاصّة إذا كانت نفسيّة الزوجة قابلة لأي مؤثر يثير غيرتها .
- هذه الزوجة عليها فعلاً أن تفتخر بزوجها ، وإنها هي التي حظيت به من بين سائر النساء .
وعليها أن تدعّم هذا التميّز في زوجها وترشّد شهرته ترشيداً هادئا ...
أما الغيرة التي يحبها الزوج من زوجته :
فإن الزوج يحب من زوجته أن تغار عليه .. لكنه يكره أن تشك فيه أو تشعره بعدم ثقتها به .
يحبها أن تمتدح جهده واهتمامه وتشكر له تميّزه . .
لكنه لا يحب أن تتضايق من عمله واهتمامه ، أو تنتقد عليه ( حزئيات صغيرة ) في مواقفه وتصرفاته .
أحد الأزواج كان يحب أن يشارك زوجته في حلول بعض المشاكل التي كانت تصله .. فكان يصارح زوجته بأن ( أختا ) كتبت له من مشكلتها كذا وكذا !!
الزوجة كانت لا تلتفت إلا عن السؤال عن : عمر هذه الأخت وجنسها ولونها ومكان سكنها .. فكانت تهتم بأمور صغيرة جزئيّة مما صار الزوج يشعر معه أن زوجته توجّه إليه اتهامات غير صريحة !! فصار لا يصارحها .
الغيرة التي يحبها الزوج هي : في حرص زوجته عليه بحسن تبعّلها واهتمامها به ومساعدتها له ، دون أن تمسّ كرامته باتهام أو شك !
على الزوجة أن تتعوّد كيف تغمض عينا واحدة وتفتح الأخرى . . لا أن تفتح عيناها ولا أن تغمضهما !!
فالعين المفتوحة عين حرص وإشفاق .. والعين المغمضة هي عين التغاضي وغضّ الطرف .
فليس كل حدث يستحق المصارحة أو الفضفضة ...
إن على هذه الزوجة أن تقف عند تساؤل مهم : هل استجابتها لكل ما يثير غيرتها على زوجها سيحافظ على زوجها أم ربما جعلته يتفلّت منها ؟!
الزوج عندما يشعر بالمحاصرة ( الشعورية ) و ( النفسية ) داخل البيت فإنه حتماً لا يقبل هذا ( كرجل ) أن يكون محاصراً فلذلك ربما بحث عن غيرها وبقيت هي في حسراتها !!
فعليها أن تكون متوازنة حتى في الاستجابة لبعض ما يثير غيرتها وأن تزنه بعواقبه .
نعم لا أقول ( لا تغار ) فهي ربما لا تملك ضبط هذا الشعور في نفسها ، لكنها تستطيع ضبط سلوكها أن لا يستجيب لكل دافع أو نازع !!
بكثرة الدعاء والاستغفار . .
وحسن الثقة بزوجها . .
والشعور بعظيم النعمة التي تحيط حياتهم ببركاتها . .
إنني أعرف بعض المصلحين .. يحدثني أحدهم أنه يعرف من نفسه أنه ليس بكثير صلاة ولا صيام لكنه يقول : اجد بركة في حياتي مع أهلي وأبنائي وفي مالي ووقتي .. وربما ذلك يعود إلى بركة عملي في الإصلاح بين الناس ..
فلربما أصابته دعوة صادقة من محتاج فوافقت تلك الدعوة ساعة إجابة .
إن تعاملنا مع من نحب يتأثّر بطبيعة نظرتنا لاهتمامه وعمله . . بقدر ما ننظر إلى عمله بأنه عمل مشرّف .. عمل مبدع .. عمل قيّم .. سنتعامل بحب وصدق وافتخار واعتزاز مع من نحب .
بعكس ما لو كنّا ننظر إلى عمله بأنه ( فتنة .. وفساد .. ومهلكة .. ومزلة قدم .. ) فإننا حينها سنتعامل مع من نحب ( بزيادة حرص تورث الشك والريبة ) !!
من الجميل جداً أن نصحّح تصوّراتنا للأمور وأن ننظر إليها بنظرة إيجابية متفائلة .
إن الشهرة لا تعني زوال الارتياح الزوجي أو الاطمئنان الأسري و ( قرّة العين بالزوج أوالزوجة والأولاد ) ، ولذلك جاء هذا الاقتران البديع في دعاء المؤمنين ( عباد الرحمن ) بين الأمرين في قوله تعالى : " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً " .
فلندع صباحاً ومساءً :
( ربنا هب لنا من أزواجنا وذريّاتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً )