الاستشارات » استشارات نفسية

يعاني من صعوبة الاعتذار للآخرين

منير فرحان الصالح

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أعاني من صعوبة الاعتذار للآخرين على أخطائي تجاههم مع اعترافي بضرورة الاعتذار وإزالة الإشكال ..لكن نفسي توسوس لي بأن اعتذاري سيكون غير مقبول وأن الطرف الآخر سيرفض فلا تحرج نفسك فأمتنع عن ذلك .
فما العمل ..

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
أخانا الكريم . .
خلق الله الإنسان وجعله ( بشراً ) يقع له ما يقع على البشر من الخطأ والتقصير والذنب وافثم ، وضرب له مثلاً بأبويه ( آدم وحواء ) عليهما السلام في التأكيد على هذه الجبلّة البشريّة من الوقوع في الذنب والخطأ والتقصير سواء مع الخالق او مع المخلوق .
والعبد إذا أذنب استغفر واعتذر وأناب إلى الله واقبل إليه تائباً يحفّزه إلى ذلك يقينه وإيمانه بسعة رحمة الله وعظيم عفوه ومنّه وفضله ( إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) ( ومن اتاني يمشي أتيته هرولة ) .
ومن استكبر عن ان يتوب أو يعود إلى الله منيباً باكياً خاضعاً مستغفراً فإن الله يطبع على قلبه ويسلّط عليه الشياطين تتلاعب به هنا وهناك ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) ..
هذا فيما يكون بين العبد وربه ..
أمّا ما يكون من لخطا بين الناس بعضهم البعض ، فإن الله قد امتدح المؤمنين الصّادقين بقوله ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) و ( الدرأ ) الدفع .. وفيه معنى القوة في المدافعة .
لأن الإنسان يحتاج عند مدافعة السيئة بالحسنة إلى قوّة وصبر وتجاوز لحظوظ النفس وهواها .
فهم إذا أسيء إليهم قابلوا الإساءة بالإحسان ، وإذا اساؤوا إلى غيرهم سارعوا إلى الاعتذار ودفع الإساءة بحسن الاعتذار .
وبمثل هذا تقوم حياة الناس على نوع من التآلف والتراحم ، والله تعالى قد قال ( وقل لعبادي يقولا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم ) !
والسؤال هنا يا أخي :
هل السكوت عن الاعتذار ييعين الشيطان على الناس .
أم أن الاعتذار فيه درأ لمفسدة نزغ الشيطان ؟!
إننا في بعض الحيان لا نعتذر .. لأننا رسمنا في أذهاننا توقّعات ( خاطئة ) من أن الطرف الاخر قد لا يقبل العذر أو شيئا نحو ذلك !
هذا التصوّر هو تصوّر لشيء ( نادر ) الحدوث !
إذ الصل أن الكلمة الطيبة وحسن الاعتذار مما يستجلب محبة الناس وتطييب نفوسهم .. هكذا جُبلت نفوس الناس على حب الخير ( في العموم ) ..
فلماذا نغلّب النادر على الغالب ؟!
ما ذلك إلاّ نزغة من نزغات الشيطان ليدوم التحريش بين الناس ، وتخالف القلوب وتنافرها !
الاعتذار خلق النبلاء .. الكرماء ..
وقبول العذر ايضا هو خلق الطاهرين من الناس ..
قيلَ لي قد أساءَ إليك فلانٌ ... ومُقام الفَتَى على الذُّلِّ عَارُ
قلتُ قدْ جاءَنَا وأحْدَثَ عُذْراً ... دِيةُ الذنبِ عِندنَا الاعْتذَارُ
وقد جاء في بعض الاثار الترهيب من عدم قبول عذر المعتذر .. يكفي من الترهيب في ذلك قول الله تعالى في شان الزوجين ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً إن الله كان عليّا كبيراً ) .. يعني إن أطعنكم واعذترن عن نشوزهن وانقدن لكم فلا تتنصّلوا من أن تقبلوا ذلك منهنّ ( فإن الله كان عليّاً كبيراً ) .. ووصف الله ذلك ( بغياً ) .
وفي أثر عند الطبراني - فيه مقال - : ن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عفوا تعف نساؤكم وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ومن اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد علي الحوض " . رواه الطبراني في الأوسط .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بشراركم " قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله .
قال : " إن شراركم الذي ينزل وحده ويجلد عبده ويمنع رفده أفلا أنبئكم بشر من ذلك "
قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله .
قال : " من يبغض الناس ويبغضونه قال أفلا أنبئكم بشر من ذلك "
قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله .
قال : " الذين لا يقيلون عثرة ولا يقبلون معذرة ولا يغتفرون ذنبا "
قال : " أفلا أنبئكم بشر من ذلك "
قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : " من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره " رواه الطبراني .
المقصود يا أخي أنه ليس من أدب المسلم ترك الاعتذار عند الخطأ ، وفي المقابل ليس من أدب المسلم أن لا يقبل عذر المعتذر .
كل ما عليك يا أخي أن تتصوّر العواقب المشرقة للاعتذار سواء ً العواقب التي تكون على نفسك أو على الآخرين ..
فإنت من عواقب الاعتذار : انه يجعلك من النبلاء الكرماء .
وأنه يرفع عنك صفة الكبر بالإثم والخطأ على الآخرين .كما أنه من عواقبه سلامة القلوب بين الناس وزيادة المحبة والتآلف ، فكم من متخاصمين ما زادت اللفة بينهما ولا قويت العلاقة بينهما إلاّ بعد الاعتذار .ثم يا أخي عند الاعتذار حاول أن ستخدم الأسلوب الجميل الذي يؤلّف القلوب بينك وبين من اخطات عليه .. فلا تعتذر بكلام فضّ ( رضيت أو ما رضيت بكيفك ) !وإنما بكلام جميل ، ولو قرنت اعتذارك بهدية تزيد من المحبة بينكما كان أجمل .
وتذكر دائما قول الله ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) .
أخي لنتعوّد دائماً ان نضبط أعصابنا وأن لا نتجاوب مع الغضب حتى لا نحوج انفسنا إلى الاعتذار !
قال بعض الحكماء : إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار !!
اسال الله العظيم ان يطهر قلوبنا ويزكيها بطاعته .