الفتاوى » العــقــيدة

1006 - ما رأيكم بمن يقول : الأمة ليس فيها مشركين ، وأن جميع من فيها يدخلون الجنة ؟ وأن كل من أسلم يدخل الجنة ؟

عبد الرحمن السحيم

السؤال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما صحة هذا القول : الأمة ليس فيها مشركين ، وأن جميع من فيها يدخلون الجنة . ويستدل بحديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة .. ويقول : إن الرسول صلى الله عليه و سلم لما قال تفترق ( أمتي ) قال : في أمتي . إن الرسول صلى الله عليه و سلم بعث للناس كافة ، وإن أمته بشكل عام هم المسلمين و الكافرين نصارى ويهود وجميعهم و أما معنى أمتي بشكل خاص فهو المسلمين ، وإن الرسول صلى الله عليه و سلم قصد بـقوله ( أمتي ) المعنى العام . وعلى هذا فإن أمة الإسلام لا تفترق إلى بضع وسبعين شعبة ، وإن كل من أسلم يدخل الجنة ؟ وبارك الله فيكم

الجواب :
أولاً : تقسيم الأمة إلى أمة دعوة وإلى أمة إجابة ؛ هذا صحيح .
فأمة الإجابة هي التي استجابت له صلى الله عليه وسلم .
وأمة الدعوة من عداهم ، وهي كل من تُوجّه إليه الدعوة .

ثانياً : هذا الاستدلال غير صحيح ، بل هو باطل لوجوه :
الأول : ما استدلّ به من حديث الافتراق !
فالحديث دليل عليه في هذه المسالة وليس له !
كيف ؟
النبي صلى الله عليه وسلم قال : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
وفي حديث عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، فواحدة في الجنة ، وسبعون في النار ، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، فإحدى وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة ، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة ، وثنتان وسبعون في النار . قيل : يا رسول الله من هم ؟ قال : الجماعة .

فهذا إخبار منه عليه الصلاة والسلام عن افتراق الأمم .
فلو كان المقصود أن الافتراق لأمة الدعوة من اليهود والنصارى وغيرهم ، لكان آخر الحديث تكرار لأوّله ! وهذا تأباه بلاغته صلى الله عليه وسلم ، ويأباه جوامع الكَلِم الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم ، ولقال : تفترق اليهود والنصارى على كذا وكذا فِرقة .
وإذا قلنا بموجب هذا القول فكأنه يقول : افترقت اليهود.. ، وافترقت النصارى .. ، وستفترق اليهود والنصارى !
فهذا تكرار لا فائدة من ورائه .
وبهذا يلزم من الحديث أن المقصد بـ ( أمتي ) أمة الإجابة ، الذين ينتسبون إلى هذا الدِّين .
وهذا ما فهمه جماهير علماء السلف والْخَلَف .

قال المباركفوري في تحفة الأحوذي : قوله : " تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة " شك من الراوي ، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو الآتي : " وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة " من غير شك . " والنصارى مثل ذلك " أي أنهم أيضا تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة . " وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " المراد من " أمتي " الإجابة . اهـ .

والعلماء يَذكرون هذه الأحاديث من التحذير من الأهواء وأهلها ، وهي التي تكون في أهل الإسلام مما تُفرِّق الأمة ، ويكون مَبنياً على التأويل الفاسد .

قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية :
وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية ؟ فهل قُتِل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد ، وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ، ومقتل الحسين ، والْحَرَّة ، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد ؟ اهـ .

ثم إن مما قرَّرَه العلماء أن تلك الفِرَق ليست على درجة واحدة ، بل منها ما هو خارج دائرة الإسلام ، ومنها ما ليس كذلك .
فجماهير العلماء من السلف والخلف كفّروا الرافضة ، وكفّروا الجهمية ، وكفّروا المعتزلة .

ولذلك قال ابن القيم في النونية عن المعتزلة :
لكنما متأخروهم بعد ذا لك وافقوا جهماً على الكفران
هم بذا جهمية أهل اعتزال ثوبهم أضحى له عَلَمان
ولقد تَقَلّد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عن هم بل حكاه قبله الطبراني

كما أن العلماء قسّموا البِدَع إلى قسمين :
بدع مُكفِّرة ، كبدع الرافضة والجهمية والمعتزلة .
بدع مفسّقة ، كبدع الرقص والسماع في الموالد ونحوها .

قال الذهبي : البدعة كبرى وصغرى .
وقال : البدعة على ضربين :
فبدعة صغرى ، كغلو التشيع ، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة .
ثم بدعة كبرى ، كالرفض الكامل والغلو فيه والحطّ على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - والدعاء الى ذلك ؛ فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة . وأيضا فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا ولا مأمونا ، بل الكذب شعارهم والتقية ، والنفاق دثارهم ، فكيف يُقبل نَقْل من هذا حاله حاشا وكلا ؟ فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا - رضي الله عنه - وتَعرّض لسبِّهم ، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذى يُكفِّر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضا ، فهذا ضال مُعَثَّر . اهـ .

ولذلك كفّر العلماء الزنادقة وأهل الرِّدة ، ومن قال بالاتِّحاد أو بالحلول ، كـ ابن عربي الصوفي ( الملحِد الأكبر ) وكـ الحلاّج ، الذي قُتِل على الزندقة .

وهذا كنت أشرت إليه فيما مضى بعنوان : مِنْ فضائع الصوفية ... وأقوال علماء الإسلام فيهم
وهو هنا :
http://saaid.net/Doat/assuhaim/130.htm

وقد ألّف العلماء الكُتب في كُفر من أتى بشيء من المكفِّرات ، خاصة ما لا يُعذر أحد بِجهله ، فألّف الإمام برهان الدين البقاعي ( المتوفَّى 885 هـ ) كتاباً بعنوان : تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي !

ثالثاً : هذه الطريقة في الاستدلال هي طريقة أهل الأهواء ، وأهل الزيغ الذين سمّاهم الله وَوَصَفَهم !
قال عليه الصلاة والسلام : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سَمّى الله ؛ فاحذروهم . رواه البخاري ومسلم .

فإنه يأخذون نَـصّـاً مُحتَملاً أو غير مُحتَمَل ثم يستدلّون به ويَدَعون النصوص الواضحة الجلية .

فإن نصوص الوحيين ( الكتاب والسنة ) كثيرة معلومة في تكفير بمن أتى بِمكفِّر .
فمن ذلك قوله تعالى : (َ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) .
وقوله عز وجلّ : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) .
وقوله تعالى : (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) .
وقوله تبارك وتعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كُفر من أشرك بالله .

وأي فائدة في ذِكر مثل هذه الآيات ، والخطاب ليس للأمة ، ولا يَقع منها الشِّرك ؟!
بل خُوطِب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مع عِصمته ، وأريد به غيره ، كما في قوله تعالى : (لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .
قال البغوي في تفسيره : وهذا خطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد منه غيره . وقيل : هذا أدب من الله عز وجل لِنَبِيِّـه وتهديد لغيره ، لأن الله تعالى عصمه من الشرك . اهـ .

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة ، وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية . رواه البخاري ومسلم .
وهذا يعني عودة عبادة الأصنام !
فهل يقول هذا القائل : بأن عبادة الأصنام ليست شِركاً ؟!
أو بأن نساء دوس التي هي من قبائل جزيرة العرب من اليهود والنصارى ؟!

وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : من بَدّل دينه فاقتلوه . رواه البخاري .

وإخباره صلى الله عليه وسلم عن قوم يُذادون عن حوضه ، وهم من أمّته ( أمة الإجابة ) ، وذلك بسبب ما أحدثوه من بِدع .
قال عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تُذاد الغريبة من الإبل عن الحوض . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث أسماء رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني ، فأقول : أمتي ، فيقول : لا تدري ! مَشّوا على القهقرى . قال ابن أبي مليكة : اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث أبي سعيد الخدري قال عليه الصلاة والسلام : إنهم مِنِّي ، فيقال : إنك لا تدري ما بَدَّلُوا بعدك . فأقول : سُحقاً سُحقاً لمن بَدّل بعدي . رواه البخاري ومسلم .

فهذه أحاديث كثيرة في غاية الصحة تدلّ على أمور :
الأول : أن هؤلاء الذين يُدفعون عن حوضه صلى الله عليه وسلم ويُمنَعون منه هم من أمة الإجابة ، بدليل أنهم بَدّلوا ، ورجعوا على أعقابهم ، وهذا لا يَكون في اليهود والنصارى !
الثاني : أن البِدع والْمُحدَثات من التبديل في الدِّين الذي يُذاد صاحبها عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثالث : فهم التابعي الجليل – ابن أبي مليكة – لهذا الحديث ، ولذا فقد كان يستعيذ بالله من أن يَرجع على عقبيه ، أو يُفتَن في دِينه .

فهذا القول الذي قال به من ضلّ وأضلّ يلزم منه إبطال نصوص الكتاب والسنة القاضية بان من أشرك مع الله غيره لا ينفعه عمل ما لم يَتُب ، وبأن الشرك واقع في هذه الأمة .

ولو قِيل بهذا القول ( أنه لا يَكفُر مُسلِم ) لما حُكِم على أحد بالرِّدّة والزندقة ، ولما أُقيم حدّ الردّة على أحد ، ولما حُكم بِكفر الساحر ..
بل لأبطلنا قتال أبي بكر رضي الله عنه للمرتدِّين .
فإن أبا بكر رضي الله عنه قاتَل المرتدِّين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم طوائف ، فمنهم من ارتدّ عن الإسلام ، ومنهم من فرّق بين الصلاة والزكاة ، فأدى الصلاة وامتنع عن أداء الزكاة ..
وكان ذلك القتال إجماع من الصحابة رضي الله عنهم ..
وسُمِّيَت تلك الحروب بـ ( حروب الرِّدَّة ) .