الفتاوى » فتاوى متفرقة

هل ثبت في فضائل العرب شيء ؟

عبدالرحمن السحيم

هل ثبت في فضائل العرب شيء ؟ وإذا كان ثبت فيه شيء كيف الجمع بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام : لا فضل لِعربي على عجمي .. ؟ وجُزيت الجنة


الجواب :
وإياك
وبارك الله فيك .
لا أعلم أنه يثبت حديث في تَفْضيل العرب على وجه الخصوص ، والذي ثبت هو العموم ، كقوله عليه الصلاة والسلام : إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم . رواه مسلم .
وكَقَولِه صلى الله عليه وسلم : الناس تَبَعٌ لِقريش في هذا الشأن ؛ مُسلمهم تَبَعٌ لمسلمهم ، وكافرهم تبع لكافرهم ، والناس معادن ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : الناس تَبَعٌ لقريش في الخير والشر .
قال الشيخ مَرعي الحنبلي في كتاب " مسبوك الذهب في فضل العرب " : وبالجملة فالذي عليه أهل السنة والجماعة اعتِقاد أن جنس العرب أفضل مِن جنس العجم ... وأن قريشا أفضل العرب ، وأن بني هاشم أفضل قريش ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم ؛ فهو أفضل الخلق أجمعين ، وأشْرفهم نَسَبا وحَسَبا ، وعلى ذلك دَرَج السلف والْخَلَف .
ثم نَقَل عن أبي محمد حرب بن إسماعيل الكرماني – صاحِب الإمام أحمد – في وصْفِه للسُّنَّة التي قال فيها : هذا مذهب أئمة العِلم ، وأصحاب الأثر ، وأهل السنة المعروفين بها ، الْمُقْتَدَى بهم فيها .
قال : وقد أدركتُ من أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها . اهـ
ثم أوْرَد أحاديث في فضل العرب ، ونَقَل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله : وقد رُوِيَتْ في ذلك أحاديث ، الـنُّكْرَة ظاهِرة عليها . اهـ
وبيّن الشيخ مَرعي الحنبلي رحمه الله بعد ذلك مقصود التفضيل ، فقال : إذا عَلِمْتَ هذا ، فاعْلَم أن الذي يُرْجَع إليه ويُعوَّل في الفَضْل عليه هو الـشَّرَف الكَسْبِي الذي مِ،ه العِلم والتقوى ، وهو الفضل الحقيقي ، لا مُجرّد الشَّرَف الذاتي الذي هو شَرَف الـنَّسَب ...
فَمِن الغُرور الواضِح ، والْحُمْق الفاضِح أن يَفْتَخِر أحُدٌ مِن العرب على أحد من العجم بِمُجرّد نَسَبِه ، أو حَسَبِه ، ومَن فَعَل ذلك فإنه مُخطئ جاهِل مغرور ! فَرُبّ حَبَشِيّ أفضل عند الله من ألُوف مِن قُريش . قال الله تعالى في مثل ذلك (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .
وقال تعالى (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) ، (وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) .
ثم بيَّن الشيخ أن مَن اتَّقَى الله تعالى مِن العَرَب فقد حازَ فضيلة التقوى ، وفضيلة الـنَّسَب ، ومَن لم يَتّقِ الله فهو إلى البهائم أقْرَب !
قال : فالفضل الحقيق هو اتِّبَاع ما بَعَث الله تعالى به محمدا من الإيمان والعِلم باطنا وظاهرا ، لا أنه بِمُجرّد كَون الشخص عربيا أو أعجميا ، أو أسود أو أبيض ، أو بدويا أو قرويا .
وقال الشيخ أيضا :
واعْلَم أن العَرَب الذي هم سُكّان القُرى والأمصار أفضل من الأعراب الذين هم سُكّان البادية ، فإن الله سبحانه وتعالى جَعَل سُكْنَى القُرى يَقتضي مِن كمال الإنسان في العِلم والدِّين ، ورِقّة القلوب ما لا يقتضيه سُكنى البادية ، كما أن البادية تُوجِب مِن صلابة البَدَن والْخُلُق ومتَانة الكلام ما لا يَكون في القرى ؛ هذا هو الأصل .
وقد تكون البادية أحيانا أنْفَع من القُرى ، ولذلك جَعَل الله الرُّسُل مِن أهل القُرى .
فَجِنْس الحاضِرة أفضل مِن جنس البادية ، وأما باعتِبار الأفراد فقد يُوجَد مِن أهل البادية ما هو أفضل من ألوف مِن أهل الحاضِرة . اهـ
وبهذا يَتبيّن أن مَن قال مِن أهل العلم بتفضِيل العَرَب إنما هو بِضميمة أخرى ، وهي التقوى ، أما مُجرّد الـنَّسَب فلا يَفضُل به أحد .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا : ومَن بَـطّـأ بِه عَمَلُه لَم يُسْرِع بِه نَسَبُه .
وأما حديث : " لا فَضْل لِعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر ؛ إلا بالتقوى " فهذا يَتّفق مع معنى آية الحجرات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .
فإن التفاضل إنما هو بالتقوى ، فإذا فُقِدَتِ التقوى فُقِد أصل التفاضل ، وإذا وُجِدت التقوى وُجِد أصل التفاضل ، وقد يُوجَد معه ضَميمة أخرى أو مُرجِّح يَزيد به ذلك التفاضل .
كما لو قُلنا : إن المؤمنين يتساوون في أصل الإيمان ، ويتفاضلون بما عندهم من أعمال .
وقد يَكون تفضيل جنس العرب لِكون العربية هي لُغة القرآن والسنة ، فيَكون التفضيل بِموجِب الْفَهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فَعَاد التفضيل إلى معنى " خِيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " .
ولا شك أن العِلم شَرَف ورِفعة وفَخْر ، فيشْرُف العربي بَمزيد فهم الكِتاب والسنة .
وقد يَشْرُف الأعجمي بذلك ، بل ربما شَرف المولى .
وعلماء مُصْطَلح الحديث يَعقِدون فصلا بعنوان : مَعرفة الْمَوالِي .
وذَكَر الزهري أن هشام بن عبد الملك قال له : مَن يَسُود أهل مكة ؟ فقلت : عطاء .
قال : فأهْل اليمن ؟ قلت : طاوس .
قال : فأهْل الشام ؟ قلت : مَكحول .
قال : فأهْل مِصر ؟ فقلت : يزيد بن أبي حبيب .
قال : فأهْل الجزيرة ؟ فقلت : ميمون بن مهران .
قال : فأهْل خراسان ؟ قلت : الضحاك بن مزاحم .
قال : فأهْل البصرة : فقلت : الحسن بن أبي الحسن . ( الحسن البصري )
قال : فأهْل الكوفة ؟ فقلت : إبراهيم النخعي . وذَكَر أنه يقول له عند كل واحد : أمِن العَرب أم مِن الموالي ؟ فيَقول : من الموالي إلا النخعي ، فإنه مِن العرب ، فقال له : ويلك يا زهري ! فَرّجَتْ عَني - يعني لِذِكْرِه عَرَبيا .
ثم قال : والله لتسُودن الموالي على العرب حتى يُخْطَب لها على المنابر ! والعرب تحتها . فقلت : يا أمير المؤمنين إنما هو أمْر الله ودِينه ، فَمن حَفِظَه سَادَ ، ومَن ضَيَّعَه سَقَط .
والله تعالى أعلم .