الفتاوى » القرآن والتفسير

كيف نجمع بين بعض الأيات وبعض الأحاديث في مسألة الأجل ؟

عبدالرحمن السحيم

أحسن الله إليكم .. ونفع بعلمكم .. كيف الجمع بين قول الله عز وجل : ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون ) ، وبين قول الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام حين كان يدعو قومه قائلاً :( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) ، وما ورد في الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما .. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من سره أن يبسط له في رزقه ، وأن ينسأ له في أثره ، فليصل رحمه ) ؟ وجزاكم الله خيراً ..

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا .

أوّلاً :
الآية الأُولَى آية الأعراف : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)
والثانية ليست خاصة بِقوم نُوح ، بل وَرَدَتْ في غير موضع ، ووَرَدتْ على العُموم في الأُمَم ، فمن ذلك :
قوله تعالى بَعَد ذِكْرِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُود وَالذِين مِنْ بَعْدِهِم : (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .
وجاءت في خِطَاب نوح لقومه : (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .
ثانيا : لا تَعارُض بَيْن الآيات ، ولا بين الآيات والأحاديث النبوية ، ولا تعارُض بيْن الأحاديث النبوية .
ثالثا : التأخير إلى أجَل مُسمّى ، هو أن لا يُعَاجَلُوا بالعُقُوبة .
فإن قيل : أليسوا إذا عُوجِلُوا بالعُقوبة كان ذلك عند انقضاء آجالهم ؟
فالجواب مِن وجوه :
الأول : أنَّ مَن عوجِل بالعُقوبة وأُخِذ على حِين غِرَّة ، يَكون كأنه قد قُضي إليه أجَلُه ولم يُمهَل ، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوّذ مِن الانتقام المفاجئ ، ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان مِن دُعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أعوذ بك مِن زَوال نِعمتك ، وتَحَوّل عَافيتك ، وفُجاءة نِقْمَتك ، وجميع سخطك.
الثاني : أنَّ من أُخِذ على حين غِرّة وغَفْلَة إذا عاين العَذَاب والْهَلاك ينسى ما مضى مِن عُمُره ، فيكون ما مضى مِن عُمره كأنه لم يُمتَّع به .
وفي هذا المعنى ما جاء في حديث أنس عند مسلم ، وفيه : يُؤتَى بِأنْعَم أهل الدنيا مِن أهل النار يوم القيامة فيُصْبَغ في النار صَبغة ، ثم يُقال : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قَطّ ؟ هل مَرَّ بِك نَعيم قَطّ ؟ فيقول : لا والله يا رب . ويُؤتَى بأشَدَّ الناس بُؤسًا في الدنيا مِن أهل الجنة فيُصْبغ صَبغة في الْجَنَّة ، فيُقَال له : يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مَرَّ بِك شِدَّة قط ؟ فيقول : لا والله يا رب مَا مَرَّ بي بُؤس قَطّ ، ولا رأيت شِدَّة قَطّ .
الثالث : أن للطاعة بَرَكة في فُسْحَة الأجَل ، وللمعصية من الشؤم ما يُذْهِب تِلك البَرَكة ، كما سيأتي تفصيله فيما يتعلّق بالحديث .

والتأخير في الآجال مُختَلَف فيه على أقوال :
الأول : أن التأخير معنوي ، ويَكون بالبرَكة ، بحيث يَعمل الإنسان في العمر القصير ما يعمله غيره في العمر الطويل .
الثاني : زيادة العُمر بالذُّرية الصالحة يَرزقها العبد فَيَدْعُون له مِن بَعده فَيلْحَقه دُعاؤهم في قَبره ؛ فذلك زيادة العُمر .
الثالث : أن التأخير في الآجال على حقيقته ، أي يَكون تأخيرًا حقيقيا .
فإن قيل : أليس الله قد قدَّر الآجَال ؟ فلا يُزَاد على ما في اللوح المحفوظ ولا يُنقَص منه ؟
فالجواب : بلى . ما في اللوح المحفوظ لا يَزاد عليه ولا يُنقص .

إذا كيف يكون مَن وَصَل رَحِمه يُنْسَأ له في أجَلَه ؟
هذا قد أجاب عنه العُلَماء بأنّ ما يُكْتَب على الجنين وهو في بطن أمِّـه ، هو الذي بأيدي الملائكة ، وهو قابل للزيادة والنُّقْصَان ، وليس هو الذي في اللوح المحفوظ .
ففي حديث ابن مسعود : ثم يَبْعَث الله مَلَكًا فيؤمر بأربع كلمات ، ويُقَال له : اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد . رواه البخاري ومسلم .
فهذه الكِتَابَة هي التي بأيدي الملائكة ، وقد يكون المكتوب لـ " زيد " مِن الناس 40 سنة ، فإن وصل رَحِمَه زيد في أجله – مثلا – إلى 60 سنة .
والْمَلَك لا يَعلَم ما يَكون مِن هذا الإنسان مِن صِلَة رَحِم أو قَطِيعَة ، فيَكتُب له 40 سنة .
قال الإمام السمعاني في تفسيره : وفي بعض الآثار أن الرَّجُل يكون قد بَقي له مِن عُمره ثلاثون سنة فيقطع رَحِمَه فَيُرَدّ إلى ثلاثة أيام ، والرَّجُل يكون قد بَقِي له مِن عُمره ثلاثة أيام فيَصِل رَحِمه فَيُمَدّ إلى ثلاثين سنة . اهـ .
وأما بالنسبة لِعِلْم الله فإنه عَلِم ما كان وما سيكون ، ويَعلَم سبحانه وتعالى أن هذا الإنسان يَصِل رَحِمَه أوْ لا .
وبناء على هذا العِلْم السابق يَكون ما في اللوح المحفوظ .
فالذي يتغيّر هو ما في أيدي الملائكة ، وليس ما في اللوح المحفوظ .
وهذا قد دَلَّت عليه أدلّة ، منها :
قوله تعالى : (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ )
وقوله تعالى : (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)

فَالْمَحْو والإثبات بما في الصُّحُف التي بأيدي الملائكة ، مما كَتَبوا من الآجال والأرزاق وغير ذلك ، وأما ما في أمِّ الكِتاب ، فهو الذي في اللوح المحفوظ لا يتغيّر ولا يتبدّل .
وكذلك الآية التي قبلها – آية فاطِر – دالّة على الزيادة والنُّقْصَان في الأعمار .
قال القرطبي في تفسيره :
قيل لابن عباس لَمَّا رَوى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أحَبّ أن يَمُدّ الله في عُمره وأجَله ويُبْسَط له في رزقه فليتق الله وليَصِل رَحِمه " كيف يُزَاد في العُمر والأجل ؟ فقال : قال الله عز وجل : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) فالأجَل الأوَّل أجَل العَبد مِن حين وَلادته إلى حِين مَوته ، والأجَل الثاني - يَعني الْمُسَمَّى عِنده - مِن حِين وَفَاته إلى يوم يلقاه ، في البرزخ لا يَعلمه إلاَّ الله ، فإذا اتَّقَى العبدُ رَبه ووصل رَحِمه زاده الله في أجَل عُمره الأوَّل مِن أجَل البَرْزخ مَا شاء ، وإذا عَصَى وقَطَع رَحِمَه نَقَصَه الله مِن أجَل عُمره في الدنيا مَا شاء ، فَيَزِيده في أجَل البَرْزَخ . اهـ .
كَمَا دَلّ على الزيادة والنَُقْصَان في الأعْمَار مَا جاء في خَبر أبِينَا آدَم عليه الصلاة والسلام حين أُخْرَجَتْ له ذُرِّيّته .
قال عليه الصلاة والسلام : لَمَّا خَلَق اللهُ آدَم مَسَح ظَهْرَه فَسَقَطَ مِن ظَهْرِه كُلّ نَسَمَة هُو خَالِقُها مِن ذُرِّيَّتِه إلى يَوم القِيامَة ، وجَعَل بَيْن عَيْنَيّ كُلّ إنْسَان مِنْهم وَبِيصًا مِن نُور ، ثم عَرضَهم على آدَم ، فقال : أيْ رَبّ ! مَن هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذُرِّيَّتُك ، فَرَأى رَجُلاً مِنهم فأعْجَبَه وَبِيص مَا بَين عَينَيه ، فقال : أيْ رَبّ ! مَن هَذا ؟ فقال : هذا رَجُل مِن آخِر الأمُم مِن ذُرِّيَّتِك يُقَال له : دَاود ، فقال : رَبّ كَم جَعَلْتَ عُمُرَه ؟ قال : سِتِّين سَنَة . قال : أيْ رَبّ ! زِدْه مِن عُمُري أرْبَعين سَنَة ، فلما قَضَى عُمُر آدَم جَاءه مَلَك الْمَوْت ، فقال : أوَ لَم يَبْقَ مِن عُمُرِي أرْبَعُون سَنَة ؟ قال : أوَ لَم تُعْطِها ابْنَك دَاود ؟ قال : فَجَحَد آدَم فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُه ، ونَسِي آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُه ، وخَطِئ آدَم فَخَطِئتْ ذُرِّيَّتُه . رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وقد رُوي مِن غَير وَجْه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الألباني : صحيح ( صحيح الجامع ) .
فهذا آدم عليه الصلاة والسلام كان عُمُره / 1000 سنة ، ثم أعْطَى ابنه داود عليه الصلاة والسلام منها 40 سنة ، فصار عمر آدم 960 سنة .
وهذا دَالّ على زيادة الأعمار ونُقصانها .
وإلى القول بالزيادة والنُّقْصَان الحقيقة في الأعمار ذَهَب الإمام النووي ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن رجب ، وجَمْع مِن أهل العِلْم .

والله تعالى أعلم .