الفتاوى » فتاوى متفرّقـة

هل يجوز عمل قائمة لكل أهل البدع والأهواء والاشتغال بهم والتعريف بهم ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

سم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ الفاضل عبد الرحمن السحيم بارك الله فيك وفي علمك
السؤال: عندنا في البلاد مجموعة من الشباب السلفي قاموا بعمل قائمة لكل أهل البدع والأهواء
وكل من تكلم فيهم العلماء من المبتدعة والحزبيين والحركيين وغيرهم وذلك للعلم بهم والتحذير منهم وقد اشتغلوا بها كثيرا حتى أصبح ديدنهم
فنرجو من فضيلتكم النصيحة والرأي في ذلك ؟
والسلام عليكم ورحمة الله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وبارك الله فيك .
أولاً : المشكلة في مثل ذلك العمل أنهم يأخذون الناس بالظنّ !
وقد ألّف العَالِم الفاضل بكر أبو زيد رحمه الله كتابا بعنوان : " تصنيف الناس بين الظنّ واليقين " يحسُن الرجوع إليه .
ونسخة عنه هنا :
http://saaid.net/book/open.php?cat=82&book=346
ثانيا : كثير مِن ذلك الكلام أقرب إلى كلام الأقران بعضهم في بعض !
وكان العلماء يقولون : كلام الأقران يُطْوَى ولا يُرْوَى .
وبعض ذلك التصنيف والكلام دافِعِه الحسد ، وإن أُخْرِج بِقوالب كثيرة !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أقسام الناس أمام الغِيبة :
مِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَوَالِبَ شَتَّى . تَارَةً فِي قَالِبِ دِيَانَةٍ وَصَلاحٍ فَيَقُولُ : لَيْسَ لِي عَادَةً أَنْ أَذْكُرَ أَحَدًا إلاَّ بِخَيْرِ وَلا أُحِبُّ الْغِيبَةَ وَلا الْكَذِبَ ؛ وَإِنَّمَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحْوَالِهِ .
وَيَقُولُ : وَاَللَّهِ إنَّهُ مِسْكِينٌ أَوْ رَجُلٌ جَيِّدٌ ؛ وَلَكِنْ فِيهِ كَيْت وَكَيْت . وَرُبَّمَا يَقُولُ : دَعُونَا مِنْهُ اللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ ؛ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ اسْتِنْقَاصُهُ وَهَضْمٌ لِجَانِبِهِ .
وَيُخْرِجُونَ الْغِيبَةَ فِي قَوَالِبَ صَلاحٍ وَدِيَانَةٍ يُخَادِعُونَ اللَّهَ بِذَلِكَ كَمَا يُخَادِعُونَ مَخْلُوقًا ؛ وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْهُمْ أَلْوَانًا كَثِيرَةً مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْفَعُ غَيْرَهُ رِيَاءً فَيَرْفَعُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ : لَوْ دَعَوْت الْبَارِحَةَ فِي صَلاتِي لِفُلانِ ؛ لَمَا بَلَغَنِي عَنْهُ كَيْت وَكَيْت لِيَرْفَعَ نَفْسَهُ وَيَضَعَهُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ .
أَوْ يَقُولُ : فُلانٌ بَلِيدُ الذِّهْنِ قَلِيلُ الْفَهْمِ ؛ وَقَصْدُهُ مَدْحُ نَفْسِهِ وَإِثْبَاتُ مَعْرِفَتِهِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ الْحَسَدُ عَلَى الْغِيبَةِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَبِيحَيْنِ : الْغِيبَةِ وَالْحَسَدِ . وَإِذَا أَثْنَى عَلَى شَخْصٍ أَزَالَ ذَلِكَ عَنْهُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ تَنَقُّصِهِ فِي قَالِبِ دِينٍ وَصَلاحٍ أَوْ فِي قَالِبِ حَسَدٍ وَفُجُورٍ وَقَدْحٍ لِيُسْقِطَ ذَلِكَ عَنْهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ تمسخر وَلَعِبٍ ، لَيُضْحِكَ غَيْرَهُ بِاسْتِهْزَائِهِ وَمُحَاكَاتِهِ وَاسْتِصْغَارِ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ التَّعَجُّبِ ، فَيَقُولُ : تَعَجَّبْت مِنْ فُلانٍ كَيْفَ لا يَفْعَلُ كَيْت وَكَيْت ، وَمِنْ فُلانٍ كَيْفَ وَقَعَ مِنْهُ كَيْت وَكَيْت ؟ وَكَيْفَ فَعَلَ كَيْت وَكَيْت ؟ فَيُخْرِجُ اسْمَهُ فِي مَعْرِضِ تَعَجُّبِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الاغْتِمَامَ فَيَقُولُ : مِسْكِينٌ فُلانٌ غَمَّنِي مَا جَرَى لَهُ وَمَا تَمَّ لَهُ فَيَظُنُّ مَنْ يَسْمَعُهُ أَنَّهُ يَغْتَمُّ لَهُ وَيَتَأَسَّفُ ، وَقَلْبُهُ مُنْطَوٍ عَلَى التَّشَفِّي بِهِ ، وَلَوْ قَدَرَ لَزَادَ عَلَى مَا بِهِ ! وَرُبَّمَا يَذْكُرُهُ عِنْدَ أَعْدَائِهِ لِيَشْتَفُوا بِهِ .
وَهَذَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَعْظَمِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْمُخَادَعَاتِ لِلَّهِ وَلِخَلْقِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِرُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ غَضَبٍ وَإِنْكَارِ مُنْكَرٍ ! فَيُظْهِرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَشْيَاءَ مِنْ زَخَارِفِ الْقَوْلِ وَقَصْدُهُ غَيْرُ مَا أَظْهَرَ . وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . اهـ .
وليعلموا أنهم بذلك العمل وقفوا على شفير جهنم .
قال ابن دقيق العيد : اعراض المسلمين حُفْرة مِن حُفر النار ، وَقَف عليها الْمُحَدِّثون والْحُكَّام .
ثالثا : منهج السلف يُوازِن بين المصالح والمفاسِد ، والسلف أعفّ الناس ألْسِنة ، وهم أعْدَل الناس إذا تَكَلَّمُوا في غيرهم .
قد جَعلوا نصب أعينهم قول الله عَزّ وَجَلّ : (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)
وعَلِموا أن أعراض الناس ليست كلأ مُباحا يَرْتَع فيه مَن شاء متى ما شاء !
وقد وازَنوا بين حسنات الرَّجُل مِن أهل العِلْم وبين سيئاته .
وما رأيت رجلا اشتغل بِمثل ذلك إلاّ حُرِم بَرَكة العِلْم .
وعلى طالب العِلْم أن يشتغل بِما ينفعه ، وبِمَا يُقرّبه إلى الله تبارك وتعالى ، وأن يُقْبِل على إصلاح نَفْسه أولاً ، وعلى تعلُّم العِلْم النافع .
ومَن تتبّع مناهج العلماء الكبار وجدهم لا يتتبّعون مثل تلك الأقوال ، ولا يتّبعون منهج التصيف ، بل يجدهم يشتغلون بالعِلْم النافع وبما ينفع الناس ، وإذا سُئل أحدهم عن شخص ، أو كان للحديث مُناسبة عن مثل ذلك تكلّموا ، وهذا يعني أنهم لم يُشغِلوا أنفسهم بالقيل والقال وتصنيف الناس .
وقد سُئل شيخنا العثيمين رحمه الله :
ما رأيكم في كثير من الشباب الذين إذا اجتمعوا في مجلس من المجالس يقضون جلَّ وقتهم في الكلام على ولاة أمور المسلمين، أو الدعاة، أو العلماء، أو الجماعات الإسلامية، ويرون أن هذا من باب النصح، أو من باب التحذير من الأخطاء، أو نحو ذلك ؟
فأجاب رحمه الله :
أرى أن هؤلاء أضاعوا أوقاتهم بلا فائدة ، واشتغلوا عما هو مهم فيما ليس فيه فائدة أيضا، بل فيه مضرة ، خصوصا الكلام عما يتعلق بأهل العلم والأمراء لِمَا في ذلك من الضرر العظيم على الأمة ؛ لأن الكلام في العلماء في الغيبة يُهَوِّن قدرهم في نفوس الناس، وإذا هان قَدْر العلماء في نفوس الناس صار قبولهم لِمَا يقول هؤلاء العلماء ضعيفا ، واختلت بذلك الشريعة ، وأما الأمراء فيقال أيضا : إنه إذا تُكلم فيهم بالغيبة، والسب، والشتم، وذكر المساوئ، والإعراض عن المحاسن؛ فإنه يؤدي إلى كراهة الناس لهم، وعدم انصياعهم لأمرهم، وإلى الفوضى والتفرق بين الأمة، والوزر على هؤلاء إن حصل شيءٌ من ذلك . ثم نقول لهؤلاء : هل كلامكم هذا يؤدي إلى الإصلاح؟ سيكون الجواب : لا ، لا يؤدي إلى الإصلاح ، بل يزيد الشر شرا . اهـ .
وسبق :
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?p=495235
ما هي ضوابط معرفة أهل البدع ؟
http://www.almeshkat.net/fatwa/1871
متى أحذر من صاحب البدعة وما هي مواصفات أهل البدع ؟
http://www.almeshkat.net/fatwa/1870
ما صحة وصف عبدالرزق بن همام عمرَ بن الخطاب بِوَصْف قَبيح ؟
http://www.almeshkat.net/fatwa/1869
ما هي الأقوال المأثورة التي تحث على التشهير بأهل البدع?
http://www.almeshkat.net/fatwa/1868
ما موقفنا من المذهب الظاهري ؟
http://www.almeshkat.net/index.php?pg=qa&cat=&ref=284
تأويلات الأشاعرة
http://www.almeshkat.net/fatwa/1866
ولا يُفهَم مِن هذا أنني أهوِّن مِن شأن البدعة ، ولا أني أسوِّغ أعمال المبتَدِعة ، وإنما أردت بيان كيفية التعامل مع المخالِف ، وإنْزَال الناس منازِلهم ؛ فقد جَعَل الله لكل شيء قَدْرًا .
وسبق :
هل يجوز الترحم على رؤوس المبتدعة كمشايخ الصوفية ؟
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=73470
والله تعالى أعلم .