الفتاوى » فتاوى متفرّقـة

تأويلات الأشاعرة

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

يا شيخ السلام عليكم وجزاكم الله خيرا على الجهد الطيب الذي تقوم به في تعليم الناس أمور دينهم والإجابة على استفساراتهم المختلفة بما أوتيت من علم ومعرفة على منهج أهل السنة والجماعة، وبصراحة من أمثالكم نحب أن نأخذ الدين. ولدي سؤال واحد في العقيدة أرجو الإجابة عليه .
*** يا شيخ بالنسبة للأشاعرة كيف نرد على الأشعري الذي يستدل ويبرهن عقيدته على أن جهابذة علماء الأمة كثير منهم كان يعتقد الأشعرية كابن حجر والنووي والغزالي وغيرهم ، وكذلك ثبت عن ابن عباس كما قرأت في أحد كتب الشيخ صالح آل الشيخ وبعض كتب التفسير أن ابن عباس قد أول بعض آيات القرآن مثل تأويله رضي الله عنه لقوله تعالى:(يوم يكشف عن ساق) فقال أي عن شدة. فكيف أول حبر الأمة وترجمان القرآن هذه الآية إذا صح ذلك؟؟
ولا يدل سؤالي هذا عدم سلوك منهج السلف والإيمان به ولكن كما قال إبراهيم عليه السلام: (ولكن ليطمئن قلبي). وشكرا جزيلا.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وبارك الله فيك
ونفع بك
أولاً : الحق لا يُعرف بالرِّجَال ، وإنما يُعرف الحق لمعرفة أهله .
وأمثال هؤلاء الأعلام الذين ذكرتهم ، ابن حجر والنووي وكثير من شرّاح الحديث وكثير من المفسِّرين ، وقعوا في التأويل المذموم ، وهذا لا يغضّ من قدرهم ، ولا يُمكن اعتبارهم من الأشاعرة بمثل هذه التأويلات .
وإنما هم من علماء أهل السنة في الأعم الأغلب ، ووقعوا في بعض التأويلات في بعض آيات الصِّفات .
فالذي يُمكن أن يُعد من الأشاعرة هو الذي ينتحل هذا المذهب ، ويُنافِح عنه ، ويتعصّب له .
ومع ذلك فقد نَصَرَ الله السنة ببعض الأشاعرة ، فكثيراً ما يُقارِعون المعتزلة ويردّون عليهم ، ولذلك نَقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله منع لعن الأشاعرة ، فقال :
وأمـا لعن العلماء لأئمة الأشعرية ، فمن لعنهم عُزِّر وعادت اللعنة عليه ، فمن لعن من ليس أهـلا لِلّعنة وقعت اللعنة عليه ، والعلماء أنصار فروع الدين والأشعرية أنصار أصول الدين ... ثم علل شيخ الإسـلام ذلك بقوله : فالفقيه أبو محمد أيضا إنما منع اللعن وأمر بتعزير اللاعن لأجل ما نصروه من أصول الدين ، وهو ما ذكرناه من موافقـة القرآن والسنة والحديث ، والـرد على من خـالف القـرآن والسنـة والحديث .
وقال أيضا : وقال - رحمه الله تعالى - بعد ذكـر شيء من سيرة أبي الحسن الهكاري وعـدي الأموي – قال :
وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة ، بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها ، والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم ، وأعلى مَنَارَهُم ، وغالِبُ ما يقولونه في أصولـها الكبار جيد ، مع أنـه لا بُـدَّ وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحـة والدلائل الضعيفة .. وذلك أن كل أحـد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . اهـ .
وكذا قال الإمام الذهبي في سيرة الإمام الباقلاني – وهو أشعري – فإنه قال عنه :
الإمام العلامة أوحد المتكلمين مقدم الأصوليين القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي ابن الباقلاني صاحب التصانيف ، وكان يُضرب المثل بِفهمه وذكائه .
وكان ثقة إماما بارعا صَنّف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية ، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري ، وقد يخالفه في مضائق فإنه من نظرائه ، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه . وقد ذَكَرَه القاضي عياض في طبقات المالكية فقال : هو الملقب بسيف السنة ، ولسان الأمة ، المتكلم على لسان أهل الحديث . اهـ .
وقال عنه : وقد صنف ابن الباقلاني وغيره من الأئمة في هتك مقالات العبيدية وبطلان نسبهم . اهـ .
وقال الذهبي في ترجمة ابن حزم : وقد أخذ علم المنطق - أبعـده الله من علم - عن محمد بن الحسن المذحجي ، وأمعن فيه ، فَزَلْزَلَه عن أشياء ، ولِي أنا مَيْلٌ إلى أبي محمـد لِمَحَبَّتِهِ في الحديث الصحيح ، ومعرفته به ، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع ، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة ولكن لا أكفِّـره ولا أضلله ، وأرجو لـه العفو والمسامحة وللمسلمين ، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه . اهـ .
فأهل السنة أهل إنصاف وعدل .
ثانياً : القرآن حمّـال أوجه ، أي أنه يحتمل عِدّة أوجه ، ولذا تختلف أنظار جهابذة العلماء في تفسير بعض الآيات ، وقد يَنْفِي بعضهم دلالة آية على مدلول مُعيّن ، وهو يُثبت عقيدة أهل السنة والجماعة ، وقد يقول : هذه الآية لا تدل على كذا .
ثالثاً : تفسير الصحابي وقوله وفعله إنما يكون حُجّـة إذا لم يُخالِف النص ، أما إذا خالَف النصّ فالحجّـة في النصّ .
ومُخالفة الصحابي للنص إما لعدم بلوغ النص ، وإما أن تبلغه نصوص أخرى ، وإما أن يبلغه نص دون آخر ، فيكون الذي بَلَغه النص المنسوخ دون الناسخ .
وهكذا في سائر أقوال الصحابة ، ولذا كانت العِبرة بما روى لا بما رأى .
ولا شك أن الصحابة فمن بعدهم من أئمة الإسلام لا يرون لأنفسهم قولاً مع قوله عليه الصلاة والسلام ، ولذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء أقول : قال رسول الله ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر .
قال ابن حزم رحمه الله :
فمن الباطل الممتنع أن يخالِف قول ابن عباس قول الله تعالى برأيه ، أو بتقليده ، لرأي أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أبعد الناس من ذلك وقد دعاهم إلى المباهلة في الْعَوْل وغيره ، وقال في أمر متعة الحج وفَسْخِه بِعُمْرة : ما أراكم إلا سَيَخْسِف الله بكم الأرض ، أقول لكم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر . ومن الْمُحَال أن يكون عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُـنّة في ذلك ولا يذكرها ، وقد أعاذه الله تعالى من ذلك . اهـ .
وما يتعلق بإثبات الساق لله عز وجل ، فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يكشف ربنا عن ساقـه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا .
والله تعالى أعلم .