الفتاوى » فتاوى متفرقة

هل أجاز الشيخان بن باز والألباني لأي أحد إطلاق لقب المنافق والمبتدع لِـمن يشاء ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

السلام عليكم ورحمة الله
هل صحيح أن الشيخ الألباني و الشيخ ابن باز أجازوا لأحد أن يقول في من شاء جاهل أو منافق أو مبتدع ؟
وما هي ضوابط معرفة أهل البِدع ؟
وهل يُمكن القول بأن شيوخ بلد ما كلهم مِن أهل البِدع؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وأعانك الله .
ليس بِصحيح أن الشيخ الألباني أو الشيخ ابن باز أجازوا لأحد أن يقول ما شاء فيمن شاء !
ومن عَرف منهج علمائنا الكِبار علِم أنهم أبعد الناس عن تصنيف الناس ، إلاَّ فيما دَعَتْ إليه الحاجة من الكلام في الرِّجَال ، ومع ذلك كانت تَزينهم عِفّة اللسان ، مع الوَرَع الصادق – نحسبهم والله حسيبهم – .
وليس من منهج علماء الأمة الوقيعة في أعراض عِباد الله ، ولا إطلاق الألسنة في العلماء ، وإن وقع بعضهم في البِدَع .
وأهل العِلْم قديما وحديثا يغضّون الطّرف عن زلاّت العلماء ، خاصة إذا كان لهم أثر في الناس .
فهذا إمام أهل السنة – الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله – يضرب لنا أروع الأمثلة في التعامل مع الْمُخالِف ، ومع مَن وقَع في شيء من البِدَع .
وكيع بن الجراح شيخ الإمام أحمد
ووكيع إمام من أئمة المسلمين .
قال فيه الإمام أحمد : ما رأيت أحدا أوْعى للعِلم ولا أحفظ مِن وكيع .
قال الذهبي : كان أحمد يُعظم وَكِيعًا ويُفخِّمه .
وقال ابن عمار : ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث مِن وكيع ، وكان جهبذا .
وهو إمام وجَبل مِن جِبال العِلم .
قال صالح بن أحمد : قلت لأبي : أيما أثبت عندك وكيع أو يزيد ؟ فقال : ما منهما بحمد الله إلاَّ ثَبْت ، وما رأيت أوْعَى للعلم من وكيع ، ولا أشْبه مِن أهل النسك منه ، ولم يختلط بالسلطان .
وقد كان وكيع يشرب النبيذ
فقد سُئل عن النبيذ : هو عندي أحلّ مِن ماء الفرات !
وهل كان الإمام أحمد يعلم هذا عن وكيع ؟
نعم ، مع أن الإمام أحمد رحمه الله يَقول بتحريم النبيذ الذي يشربه شيخه وكيع .
قال أبو حاتم الرازي : ذَكَرت لأحمد بن حنبل مَن شَرِب النبيذ مِن مُحَدّثي الكوفة ، وسَمّيت له عددا منهم ، فقال : هذه زلاّت لهم ولا تَسْقُط بِزَلاتهم عَدالتهم .
وكان في وكيع تَشيّع .
ولذلك لما قيل للإمام أحمد رحمه الله : إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بقول مَنْ نأخذ ؟ فقال : نُوافق عبد الرحمن أكثر ، وخاصة في سُفيان كان مَعْنِيًّا بِحديثه ، وعبد الرحمن يَسْلَم مِنه السّلف ، ويجتنب شُرْب المسكر ، وكان لا يَرى أن يُزْرَع في أرض الفُرات .
قال الذهبي في سيرة وكيع : مَرّ قول أحمد : إن عبد الرحمن يَسْلَم منه السلف ، والظاهر أنَّ وَكيعا فيه تَشيع يَسير لا يَضُرّ - إن شاء الله - فإنه كوفي في الجملة ! وقد صنف كتاب فضائل الصحابة سمعناه قدّم فيه باب مناقب عليّ على مناقب عثمان رضي الله عنهما . اهـ .
وهذا إمام أهل السنة يَروي عنه ، ويتتلمذ على يديه ، ويدع بدعته له .
بل إن من شيوخ الإمام أحمد – كذلك – عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، ورَحَل إليه الإمام أحمد في اليمن هو ويحيى بن مَعين ، وأخذا عنه ورويا عنه أحاديث ، وعبد الرزاق فيه تشيّع أيضا .
ولما بلغ يحيى بن معين أن أحمد بن حنبل يتكلم في عبيد الله بن موسى بِسبب التشيع قال يحيى : والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لقد سَمِعْتُ من عبد الرزاق في هذا المعنى أكثر مما يقول عُبيد الله بن موسى !
والإمام قتادة بن دعامة السدوسي قال عنه الإمام الذهبي : حافظ العصر قدوة المفسِّرين والمحدِّثين .
قال ابن شوذب : ما كان قتادة يَرضى حتى يَصيح به صياحا - يعني القَدَر - .
قال الذهبي :
وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع ، فإنه مدلس معروف بذلك ، وكان يرى القَدَر - نسأل الله العفو - ومع هذا فما توقّف أحد في صدقه وعدالته وحفظه ، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنـزيهه وبذل وسعه ، والله حكم عدل لطيف بعباده ، ولا يسأل عما يفعل ، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعُرف صلاحه وورعه واتّباعه يُغفر له زلَـله ولا نُضلِّـله ونطرحه وننسى محاسنه . نعم ، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ، ونرجوا له التوبة من ذلك .
قال الإمام الذهبي : ومع هذا الاعتقاد الرَّدِي ما تأخَّر أحَدٌ عن الاحتجاج بِحَدِيثه - سامحه الله – . اهـ .
ونقول في حق هؤلاء الأئمة والعُلأماء والدُّعاة ما قاه إمام أهل السنة :
" هذه زَلاّت لهم ولا تَسْقُط بِزَلاتهم عدالتهم "
وسبق الجواب عن هذا السؤال :
متى أحذر من صاحب البدعة وما هي مواصفات أهل البدع ؟
http://www.almeshkat.com/vb/showthread.php?s=&threadid=34237
ولا يُمكن الْحُكم على علماء بلد بأنهم مُبْتَدِعَة .
ولا يَصِحّ كثير مما يُقال عن كثير ممن يُقدَح بهم مِن علماء الأمَّـة ، خاصة الذين يَدْعُون إلى التمسّك بالسُّـنَّـة ، والعودة بالأمة إلى الكِتاب والسنة .
ونسأل الله سلامة الصَّدْر ، وأن نكون كَمَن قال الله فيهم : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .
فاللهم لا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا .
والله تعالى أعلم .