الفتاوى » علوم القرآن

هل القرآن الكريم اليوم فيه نفس العدد والسور كالتي في عهد النبوة ؟

عبدالرحمن السحيم

كيف نعرف نحن المسلمون بأن القرآن الكريم اليوم فيه نفس الآيات ونفس العدد من السور كما كان في أيام الرسول صلى الله عليه و سلم .


الجواب :
مِن المعلوم أن للإيمان سِتَّـة أركان ، لا يَصِحّ إيمان العبد إلا بِتحقيقها .
وأرْكَان الإيمان : الإيمان بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله واليوم الآخِر وبالقدر خيره وشَرِّه .
فإذا كُـنَّا نؤمِن بالله وبِكِتابِه آمَـنَّا أنَّ الله تَكَفَّل بِحِفْظ كِتابه مِن الزِّيَادة والنُّقْصان .
ويُبيِّن هذا أن الله لم يَتَكفَّل بِحِفْظ الكُتب السابقة ، بل وَكَل حِفْظها إلى أصحابها ، فلم يَحفَظوها ، وتَكَفَّل سبحانه وتعالى بِحِفْظ كِتابِه .
وقد قال الله تبارك وتعالى عن الكُتُب السابقة : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) .
وقال عزّ وَجَلّ عن القرآن : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
وفي وقتنا الحاضر لو أحضرْت مخطوطة للمصحف لها مئات السِّنين لَوَجدت أنَّها لم تَزِد حرفا ولم تنقص حرفا .
بينما لو أحضرت نُسخا من التوراة أو مِن الأناجيل الآن لوجدت أنها تختلف مِن طبعة لأخرى ، ومِن دولة لأخرى !
بل بَيَّن الشيخ أحمد ديدات في بعض مناظراته أن بعض طبعات الكُتُب المقدَّسَة عند اليهود والنصارى تختلف باختِلاف التَّوجُّه السِّياسي !
وأثْبَت هذا بالحرف والطَّبْعَة .

وإليك هذه القصة التي تُبيَّن صِحَّة هذا القول ، وأنَّ الله تكفَّل بِحفْظ القرآن فلا يُزاد فيه ولا يُنقَص ، بينما دَخَل التحريف تلك الُكُتب التي وُكِل حفظها إلى أصحابها .
روى الإمام القرطبي في تفسير بإسناده إلى يحيى بن أكثم قال : كان للمأمون وهو أمير إذّ ذاك مجلس نَظَر ، فَدَخل في جملة الناس رَجل يهودي ، حَسَنَ الثَّوب ، حَسَن الوَجْه ، طَيِّب الرَّائحة ، قال : فَتَكَلَّم فأحْسَن الكَلام والعِبارة ، قال : فلما تَقَوَّض الْمَجْلِس دَعَـاه المأمون ، فقال له : إسرائيلي ؟ قال : نعم . قال له : أسْلِم حتى أفعل بِك وأصْنَع ، ووَعَدَه ، فقال : دِيني ودِين آبائي ، وانصرف . قال : فلما كان بعد سنة جَاءَنا مُسْلِماً . قال : فَتَكَلَّم على الفِقْه فأحْسَن الكَلام ، فَلَمَّا تَقَوَّض الْمَجْلِس دَعَاه الْمَأمون ، وقال : ألَسْتَ صاحبنا بالأمس ؟ قال له : بلى . قال : فما كان سَبب إسلامك ؟ قال انْصَرَفْتُ مِن حَضْرَتِك فأحْبَبْتُ أن أمتحن هذه الأديان ، وأنت تَراني حَسَن الْخَطّ ، فَعَمِدْتُ إلى التوراة فَكَتَبْتُ ثلاث نُسَخ ، فزِدتُ فيها ونَقَصْتُ ، وأدخلتها الكنيسة فاشتُريت مِنِّي ، وعَمِدْتُ إلى الإنجيل فَكَتَبْتُ ثَلاث نُسخ ، فزِدتُ فيها ونَقَصْتُ ، وأدخلتها البَيْعَة فاشتُريت مِنِّي ، وعَمِدْتُ إلى القرآن فَعَمِلْتُ ثلاث نُسخ ، وزِدتُ فيها ونقصت وأدخلتها الورَّاقِين ، فتصفحوها فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رَمَوا بها ، فلم يَشتروها ، فَعَلِمْتُ أنَّ هذا كِتَاب مَحْفُوظ ، فَكان هذا سَبَب إسْلامي . قال يحيى بن أكثم : فَحَجَجْتُ تلك السنة فَلَقِيتُ سفيان بن عيينة فَذَكَرْتُ له الْخَبَر ، فقال لي : مِصْداق هذا في كتاب الله عز وجل ! قال : قلت : في أي موضع ؟ قال : في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل : ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ) فَجَعَل حِفْظه إليهم فَضَاع ، وقال عز وجل : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فَحَفِظَه الله عز وجل عَلينا فَلَم يَضِع .
ومما يَدُلّ على أن الله تَكفَّل بِحِفْظ كَتابه أنَّه ما حاول مُتَطاوِل أن يُحرِّف فيه أو يُضيف إليه ، أو ينقص مِنه إلا هَتَك الله سِتْرَه ، وفضَح أمْرَه .
وأذْكُر قبل سنوات وُزِّعَتْ طبعة مُحرَّفة للقرآن الكريم في أندونيسيا ، وكان وُزِّع منها 70 ألف نسخة !
فلما اكتُشِف الخطأ نودي في الناس من كان عنده شيء من تلك الطبعة فليأتِ بها ، فأُحْضِرَتْ تِلك النسخ فلم يَنقُص منها نسخة واحدة ، ثم جُمِعت جميعا وأُتْلِفَتْ .

وأيضا فإن عُلماء القراءات قديما وحديثا عُنُوا بِرَسْم القرآن ، فقَيَّدوا طريقة رَسْم القرآن ، وكيفية كِتابته ، بل وحتى علامات الوَقْف ، وعَدّ الآيات ، وكل هذا محفوظ معروف عند أهل العِلْم .
فعلى سبيل المثال :
التاء المربوطة والتي كُتِبَتْ في القرآن تاء مفتوحة في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه لا تَزال تُكْتَب كذلك ، مثل : (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ، هكذا كُتِبت وهكذا تُكْتَب في المصاحف إلى زَمِاننا هذا .
والأمثلة على هذا كثيرة .
وليس القُرآن فحسب هو الذي حَفِظه الله وتكفَّل بِحِفْظه ، بل حتى السُّـنَّة النبوية حفظها الله وقيَّـض لها من يَقوم بِحفظها على مَـرّ الزمان .
ولو نَظَرْت في صحيح البخاري مثلا وله أكثر من ألف سنة ، أو في مسند الإمام أحمد ، أو في غيرها مِن دواوين السُّـنَّة أو كُتُب أهل العلم لَوجدت أن ما بأيدينا لا يَختَلِف عن تِلك النّسخ المخطوطة منذ مئات السنين ، بل بعضها منذ أكثر من ألف سنة !
وعندي صُوَر مخطوطات بعضها تَزِيد أعمارها على سِتمائة عام ، لم تُغيَّر ولم تُبدَّل ، وهي مِن كُتُب أهل العِلْم ، فكيف بِكتَاب الله وقد تكَفَّل الله عزّ وَجَلّ بِحِفْظِه ؟
والله تعالى أعلم .