الفتاوى » القرآن والتفسير

913 - لماذا تعجّب زكريا لمّا استجاب الله له ؟؟

عبد الرحمن السحيم

سؤال السلام عليكم و رحمة الله و بركاته فضيلة الشيخ عبد الرحمن السحيم يقول الله عز و جل : ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) (38) و لا شك أن زكريا لم يدعُ ربه إلا و هو متيقّن أن الله عز و جل قدير و بيده ملكوت السموات و الأرض .. لكن الذي يثير تساؤلاتي هو .. لماذا تعجّب زكريا لمّا استجاب الله له ؟؟ و قد وردت الآية في ذلك : ( فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) (40) أقصد .. لماذا قدّم زكريا الأسباب المانعة للإنجاب ؟؟ ألم يكن يعلم زكريا مثلاً أن امرأته عاقر عندما دعا ربه ؟؟ أمر آخر .. هل نفهم من الآية أن زكريا عليه السلام ظل يدعو ربه حتى بلغه الكِبر ؟؟ أم أن تعجّب زكريا أمر بشري طبيعي ؟؟ لأني كلما دعوتُ الله بأمر أتذكر هذه الآية فأتعجّب من قول زكريا .. و جزاكم الله خيراً

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيراً

هذا السؤال طرحه غير واحد من المفسِّرين ، ووقفوا معه ، وأجابوا عنه :

قال البغوي في معالم التـنْزيل : فإن قيل : لِمَ قال زكريا بعدما وعده الله تعالى : ( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ) ؟ أكان شاكاً في وعد الله ، وفي قدرته ؟
- فَذَكَرَ جواباً ثم قال - : وجواب آخر ، وهو أنه لم يَشُكّ في وعْدِ الله ، إنما شك في كيفيته ، أي كيف ذلك : أتجعلني وامرأتي شابين ؟ أم ترزقنا ولدا على الكبر منا ؟ أم ترزقني من امرأة أخرى ؟ قاله مُسْتَفْهِماً لا شاكّـاً . هذا قول الحسن . اهـ .

وقال ابن جُزيّ في التسهيل : ( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ) تَعجّب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته . ويُقال : كان له تسع وتسعون سنة ، ولامرأته ثمان وتسعون سنة ، فاستبعد ذلك في العادة ، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك ، فَسَألَه مع عِلْمِه بِقُدرة الله واستبعده لأنه نادر في العادة ، وقيل سأله وهو شاب وأُجِيب وهو شيخ ، ولذلك استبعده . اهـ .

وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : وفي معنى هذا الاستفهام وجهان :
أحدهما : أنه سأل هل يكون له الولد وهو وأمراته على حاليهما ، أو يُرَدّان إلى حال مَنْ يَلِد .
الثاني : سَألَ هل يُرزَق الولد من امرأته العاقر أو من غيرها ؟
وقيل : المعنى بأي مَنْزِلة استوجِب هذا ، وأنا وامرأتي على هذه الحال ، على وجه التواضع .
ويُروى أنه كان بين دعائه والوقت الذي بُشِّر فيه أربعون سنه . اهـ .

وقال رحمه الله في تفسير سورة مريم :
ليس على معنى الانكار لما أَخْبَر الله تعالى به ، بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يُخرِج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير . وقيل : غير هذا مما تقدم في آل عمران بيانه . اهـ .

فهذا السؤال من زكريا عليه الصلاة والسلام ليس على سبيل الشك في قُدرة الله ، وإنما هو على سبيل الاستفهام .
وهذا يُشبه سؤال الملائكة لما قال الله تعالى : ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) فـ ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) .
فهذا ليس على سبيل الاعتراض ، وإنما هو على سبيل السؤال والاستفهام .

وذَكَر نحو هذا الشنقيطي في " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " .

وثمّ مسألة يُوردها المفسِّرون في الآيات التي أوردتِها – حفظك الله – ألا وهي :
أن زكريا سأل الله أن يَرزقه الولد مع كون الولد فتنة ، كما في قوله تعالى : ( أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) ؟
قال القرطبي : إن قال قائل : هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد ، والله سبحانه وتعالى قد حذّرنا من آفات الأموال والأولاد ونَـبّـه على المفاسد الناشئة من ذلك ، فقال ( أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) ، وقال : ( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) .
فالجواب : أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة - حسب ما تقدم في آل عمران بيانه - ثم إن زكريا عليه السلام تَحَرَّز فقال ( ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) وقال ( وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) ، والولد إذا كان بهذه الصفة نَفَع أبويه في الدنيا والآخرة ، وخرج مِن حَدّ العداوة والفتنة إلى حَدّ المسرّة والنعمة ، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنسٍ خادمه فقال : اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته . فَدَعَا له بالبركة تحرّزا مما يُؤدي إليه الإكثار من الهلكة ، وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده ونجاته في أولاه وأخراه ، اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء . اهـ .

وقال قبل ذلك : قال العلماء : دُعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لإظهار دينه ، وإحياء نُبوته ، ومُضاعفة لأجْرِه لا للدنيا . اهـ .

والله تعالى أعلم .